وقفة تأمل
لايعني توطين قضايا الامة التمهيد لالغائها وتفضيل المصالح القطرية عليها وإنما إعادة إحيائها بالوعي
جملة من القضايا والتحديات اشتركت الامتان العربية والإسلامية في مواجهتها والتصدي لها, فالاستعمار والصراع العربي الإسرائيلي والحروب المشتركة والاحتلال والتبعية الاقتصادية والسياسية وخرق السيادة وغير ذلك من تاريخ طويل للصراع صنعت لتلك الدول قضايا أمة مشتركة, اختلفت النظرة إليها والتعامل معها, فالإسلاميون نظروا إليها على أنها قضايا الأمة الإسلامية واستحضروا ذاكرتهم التاريخية لدولة الخلافة, بينما نظر إليها القوميون على أنها قضايا الأمة العربية فصنعوا نظريتهم الاشتراكية كوسيلة لحل تلك القضايا, في مقابل هذا الاختلاف اتفق الطرفان على أدلجة قضايا الأمة, ولهذا أدعي أننا نحتاج اليوم في المقابل إلى إعادة توطين لقضايا الأمة في الوعي الوطني بعيدا عن تلك الأيديولوجيات.
لم تكن القضايا مؤدلجة في دولة ما قبل الاستقلال, فالتعامل معها كان مباشرا حيث كان هناك استعمار وكانت هناك في المقابل حركات تحرر وطني ذابت فيها جميع القوى السياسية حتى تلك التي كانت منبهرة بالنموذج الأوروبي, فالمجتمعات والشعوب هي التي تصدت للاحتلال وليس الانظمة.
بعد استقلال الدول العربية وصعود القوميين العرب بدأت أدلجة قضايا الأمة ففرضت فهمها وبنت نظريتها الخاصة في الدفاع عن تلك القضايا عندما أدخلت مشروعها الاشتراكي في الدولة وأممت وسائل الإنتاج والاقتصاد وأبعدت شعوبها عن بناء الدول والمشاركة فيها بدواعي أولوية قضايا الأمة وحساسية المرحلة, ففرضت بذلك نظرتها لتلك القضايا على شعوبها التي اقتصر دورها على التصفيق والموت, التصفيق للخطابات والموت في جبهات القتال.
لعل لتلك المرحلة مبرراتها لكن في جميع الأحوال فرضت القومية العربية نظرتها إلى كيفية التعامل والتصدي لقضايا الأمة ووكلت نفسها للتحدث نيابة عن شعوبها في قضايا شعوبها, لهذا لم يستطع الشارع العربي استيعاب نكسة حزيران (يونيو) عام 1967 التي لم تنتكس الأيديولوجية القومية معها فقط بل نفسية وروح الشارع العربي أيضا الذي لم يعرف طريقا لقضاياه غير طريق تلك الأيديولوجية.
وكانت حال القوميين بعد النكسة بين أقصى يمين تحرر من قضايا أمته للتفرغ إلى بناء الدولة الليبرالية والاهتمام بقضايا محلية من حريات وحقوق إنسان وغيره, وبين أقصى اليسار الذي تمسك بجلبابه ولا يزال يعيش التبجيل والتطبيل لنموذج الماضي والعودة إليه من جديد بمصطلحات جديدة, وبين وسط ضبابي تمسك بعروبة تلك القضايا لكن تحت عباءة النظام القائم بشرط عدم المساس بشرعية وسيادة نظامه.
أما بالنسبة إلى الاسلاميين فالأدلجة بدأت مبكرا أي منذ احتلال فلسطين لكنها كانت غالبا في إطار الدولة القومية المدافعة عن تلك القضايا ولم تبرز كخطاب مؤدلج إلا بعد النكسة عندما تغيرت أيديولوجية الانظمة وتصادمت معها فكانت صحوة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي الإسلامية لتعتبر أن الأنظمة الحاكمة حجر عثرة أمام تبنيها لقضايا الأمة وساعد بروز خطاب قيام دولة إسلامية في إيران وأخرى في السودان, فكانت أن فرضت أدلجتها الخاصة لقضايا الأمة واستحضرت موروثاتها وتاريخها في دولة الخلافة وولاية الفقيه, فبرزت مفاهيم كالجهاد والتكفير ومجتمع الجاهلية وتصدير الثورة وغير ذلك.
فكان بعد تشكل النظام العالمي الجديد أن خرج منهم أقصى اليمين الذين يعتبرون أن الجهاد المسلح هو خلاص قضايا الأمة الإسلامية, وظهر منهم من هم في أقصى اليسار الذين وجدوا أن التحول الديمقراطي هو المحك الرئيس خصوصا بعد الانفتاحات السياسية بعد حرب الخليج الثانية وأن قضايا الأمة مؤجلة إلى حين تكامل الدولة الوطنية (وان لم يعترفوا بهذا التأجيل), وكان منهم الوسط الذين والوا النظم القائمة ومنحوها الشرعية الدينية وسيسوا قضايا الأمة لمصالح تلك النظم فاعتبروا "حزب الله" حزب الشيطان لأنه قوة شيعية وأخرى كافرة وإرهابية لأنها سنية.
لذلك ضاعت بوصلة قضايا الأمة في وعي المجتمعات الإسلامية والعربية, فالبعض الذي يدافع عن قضايا الأمة يحارب في الوقت نفسه من يدافع عنها, والبعض الآخر يبتسم عندما يتذكر قضاياه, لكل ذلك نحن بحاجة إلى أن نوطن قضايا الأمة في الوعي الوطني المحلي حتى تنصهر الأيديولوجيات ومشاربها في الفضاء الوطني, وحتى يعاد تشكل وعي مجتمعاتنا السياسية تجاه قضاياه لا على أجندات مؤدلجة وإنما على الأرضية الوطنية, فيكون الوعي بقضايا الأمة نابعاً من حاجة ومصلحة وطنيتين كما هي الحاجة الوطنية لكل دولة في الاتحاد الأوروبي!
لا يعني توطين قضايا الأمة التمهيد لإلغائها وتفضيل المصالح القطرية والمحلية عليها بالضرورة وإنما إعادة إحيائها في الوعي الوطني بعيدا عن أدلجتها وتسييسها, فإعادة ربط المجتمع العربي ضرورة في ظل انشغالاته بهمومه المحلية, ومن جانب آخر نحتاج إلى توطين قضايا الأمة حتى يتحول الدفاع عنها إلى مشاريع حقيقية لتدفع النظم الحاكمة لخلع ثوب التخاذل والتبعية.
هذا يستدعي من الحركات السياسية في عالمنا العربي إعادة صياغة خطابها السياسي في اتجاه تبني قضايا الأمة العربية والإسلامية من منطلق وطني ومصلحة وطنية لا على أساس معتقداتها الشمولية المؤدلجة, وهذا بدوره يتطلب شراكة وطنية حقيقية تبني وتتبنى أجندة سياسية واضحة.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com