من وحي الناس
لابد من إعادة النظر في كل الصيغ التي مارسناها في عصر العولمة فالمعرفة هي اللبنة الأساسية والرئيسية
بيروت شرفة النهار, والحرية والحب , والسلام, والمحبة, هي زهرة ونشوة, وتدافع المدى , والناس بين زرق الماء, والسماء بمسارحها وفنادقها, ومطابعها, ومكتباتها, وكتبها التي لها يهتز عرش المعرفة, والوعي والأنغام المتدفقة هزة اقراط ترسم للانسان درب الانطلاق, والتحرر من غربان النكد, وجوقة المشعوذين, وأفاعي قتل الفكر والابداع, وحملة الإرث الكذوب.
أمسكت بكتاب ل¯"سان سينغر" كتبه عن "أمة الابتكار" وفيه يتحدث وبالوقائع عن كيف نهضت اسرائيل, وصهرت اناسا في مجتمع من 155 دولة, وهم لهم ثقافات وعادات ولغات مختلفة, وعملت على صهرهم في مؤسسة متطورة تكنولوجية, وتدريب الشباب ليس في المجال العسكري, وانما في الاقتصاد الذي افرز عددا كبيرا من الباحثين والمبتكرين في مختلف مجالات التكنولوجيا. فشركة "بيل كام" الاسرائيلية ابتكرت كاميرا دقيقة لا يتجاوز وزنها أربعة غرامات على هيئة كبسولة يتم ابتلاعها, وتحتوي على وسائل بث يمكنها ارسال مقاطع فيلمية من داخل جسم الانسان لتشخيص الامراض, فهذه الابتكارات, وماسقناه مثلا جعلت اسرائيل في غضون سنوات قليلة قاطرة للنمو الاقتصادي, وجذبت في عشر سنوات استثمارات ناهزت التريليون دولار فصارت اسرائيل الصهيونية في مصاف الدول الاكثر تطورا في التكنولوجيا في العالم, ولم تكن لتتحقق هذه الطفرة العلمية لو انها لم تعد العدة وينعم الانسان فيها بجو من الحرية, والتعليم المتطور, والاجواء المحفزة على التقاط الفرص السانحة لها, واكثر من ذلك فان اسرائيل الصهيونية رغم قلة عدد سكانها, وندرة مواردها الطبيعية باتت تمتلك عددا من شركات تكنولوجية مسجلة في "ناسداك" اكثر من بعض الدول الاوروبية, واليابان, وكوريا الجنوبية, والهند, والصين مجتمعة, في حين ان الدول العربية تتصارع فيما بينها على الحدود , وعلى القيود والموروث وآداب قضاء الحاجة, ودخول رجال الفكر في اراضيها الزاهرة ام عدم دخولهم, وتشحذ الالسن, وتقيء الاقلام سما يعمي البصيرة قبل البصر, ومما يؤسف له ان مؤلف كتاب "امة الابتكار" يهتم ايضا بالعالم العربي, ويرصد تخلفه, وعوائقه عن اللحاق بالتطور العالمي, وتخلفه في مجال البحوث والتطوير التكنولوجي, وعلى رأسها - مركزية السلطة السياسية - وغياب الديمقراطية والحرية في مختلف المؤسسات - والوقوف على رصيف التاريخ واجترار احداثه, وتقاليده وتقديس موروثاته, وتربويات قامعة, ومتسلطة, واحتكار الحقيقة والصواب, والولاءات المتخلفة عن القبلية والمذهبية او الطائفية او الجماعات الدينية التي تسيس الدين لمصالحها الانية وجود قيود ثقافية , وسياسية, وقانونية على التفكير, والابداع, والابتكار وعدم تمكين المرأة من انطلاق طاقاتها وتهميش دورها في المجتمع بما يعني هدر طاقات بشرية ووأدها وعدم الاستفادة منها.
تفضيل استثمار الفوائض المالية في اعمال شركات عالمية النشاط, وليس انشاء شركات جديدة, وضخ الاستثمارات في الانشطة الخدماتية مثل السياحة, والفنادق الضخمة وضعف الاستثمار في مجالات البحوث, والتطوير , والابتكار, والابداع في مجالات التكنولوجيا.
هذا التحليل الاسرائيلي الصهيوني ليس من اجل تحفيز النظام العربي, ولكنه كشف لعورات العرب خاصة هذا الهوس المحموم لدى معظم اصحاب رؤوس الاموال العرب في الاستثمارات في القطاعات غير الانتاجية التي تشبه الى حد بعيد زبد البحر فهي تأتي بسرعة وتزول بسرعة. فيا أمة ضحكت من جهلها الأمم لابد من اعادة النظر في الصيغ التي مارسناها في عصو العولمة, فالمعرفة هي اللبنة الاساسية والرئيسية, ومن ينتجها يدخل التاريخ من اوسع ابوابه والتواصل مع التوق البشري الى حرية العالم, وحرية الحياة, وحرية الانسان بروحه ونفسه وعقله, وجسده, ومن يكتف باجترار الماضي, ويكتف باستهلاك مخرجات التكنولوجيا يخرج من التاريخ من اوسع ابوابه ايضا.
كاتب كويتي