Porsche
إقرأ المزيد..
  • مجموعات تابعة لوهاب و"القومي" تقاتل...
  • دول "الخليجي" تدشن سلسلة الإجراءات ...
  • دمشق تضع ثلاثة شروط للإفراج عن 49 ض...
  • لافروف للأسد: أنتم تتحملون مسؤوليات...
الصفحة الرئيسية  بدر سلطان العيسى
20/01/2010
جابر عثرات الكرام

الزمن الجميل
كانت الأغنية المتنفس الوحيد التي تعبر عما يختلج في قلوب البنات في ذلك الزمن الجميل
أول أغنية سمعتها كان ذلك عام 1943 ذات صيف ومساء جميلين وكان ذلك في المدرسة المباركية, اجتمع الطلاب لمشاهدة مسرحية أقامتها إدارة المدرسة على مسرح خشبي يكاد يسقط لو صعده ممثل من الوزن الثقيل, جذبنا اليها (أي المسرحية) اسمها المعبر الذي يدل على أصالة الأخلاق العربية وشهامة العرب التي كنا نشتاق لسماعها والتي كانت تصلنا عبر دروس التاريخ أو تاريخ سلوك بعض الرجال,"الحالة كانت ضعيفة" في ذلك الوقت, الأكل كان بسيطا إن وجد والملبس لا يقي برد الشتاء ولا حر الصيف, ماء الشرب يكاد يغلي رغم قلة وجوده وانعدامه في بعض الأحيان, ولن يكون أمرا غريبا فيما لو طرق بابك أحد الجيران يطلب منك شربة ماء, السير في الطرقات منتصف النهار مجازفة فحرارة الأرض تشوي القدمين والسعيد من يحصل على "نعال" أما الحذاء فهو ترف وغير موجود, ومن ليس لديه حذاء أو نعال فالسير على الرمال حافي القدمين مجازفة في الصيف وسببا للمرض في الشتاء.
في الظهيرة عندما يشتعل الجو تصل الحرارة الى ما فوق الخمسين درجة مئوية, ينعدم الظل فلا مظلات ولا حيطان توفر الظل لمن يجازف بالخروج من البيت ساعة الظهر حتى وإن كان الخروج بداعي الذهاب الى البحر لتخفيف ما تشعر به من حرارة و" لاهوب", وباختصار عيشة الانسان في ذلك الوقت اقرب إلى العيش في فرن, واقصى ما كان يحلم به الكويتي هو أن تمر عليه نسمة هواء باردة تلطف من جفاف المعيشة, هذه المسرحية هي تلك النسمة الباردة والندية التي جعلت الطلبة والمدرسين وكبار الحضور يعيشون فترة ساعة فرح خفف عنهم جفاف الحياة وانعدام أي اثر للمسات فنية.
 المسرحية تقول ان الأمير عرف بوجود عائلة كانت تعيش عيشة كريمة وميسورة الحال, إلا أن الزمان متقلب دائما أو الحال لا تدوم على منوال, فكان ان سارت الأمور بصورة دفعت تلك العائلة ومعيلها إلى الانزواء والبقاء بعيدين من أعين الناس بعد أن كان ملء السمع والبصر وبعد أن كان لا يرد لمحتاج طلباً ولا يرضى ان يبيت جاره جائعا, فقد كان يقتسم مع جيرانه وأقربائه الغذاء والرزق لكي يخفف معاناتهم, واستمرت المسرحية وسمع جابر عن عثرة ذلك الإنسان الكريم فكان أن أقاله من عثرته, عندها التهبت المدرسة بالتصفيق وانتهت المسرحية بعد أن رد لذلك الكريم كرامته.
 بعد هذا الدرس المؤثر في الاخلاق النبيلة ظهر على المسرح مدرس بيده عود ومع مدرس آخر" طبلة" وأخذا يعزفان ويغنيان على المسرح, كانت هذه الوصلة المفرحة أمراً غير مألوف" وكان كل الطلبة بمن فيهم المدرسون لم يألفوا سماع الغناء, حتى وإن كان بسيطا في المدرسة, حامل آلة العود والآخر الضارب على الطلبة هما شابان من أهل الزبير وابتداً يغنيان اغنيتهما " لا تصعدين السطح رجلك محناية" وطلبا من كل الحضور ان يرددوا بعد كل وصلة" أوي أوي دلال", وعندما انتهت الاغنية ألح الحضور بإعادة سماعها مرة ثانية وثالثة, والكل يتصرف كأنه في فرح, لقد عملت هذه الاغنية على بساطتها عمل السحر في نفوس الطلبة والأساتذة, فالحياة كانت جافة وخالية من أي لمسة فنية.
 الحياة الاجتماعية كانت معدومة , لم تكن هناك وسيلة للتسلية حتى وإن كانت بريئة, لقد صبغ هذا  الوضع الحزين والمأسوي البؤس على وجه الإنسان الكويتي بما فيهم الأطفال والشباب, فالوجوه صارمة التعابير مفرطة الجدية أقرب الى وجه تمثال نحت من حجر اغبر خال من تعابير الفرح, لذلك لم يكن مستغربا أن يطرب الانسان الكويتي لصوت بائعة المشموم أو لصوت برشوم.(حمير الجص) عندما تعود لتحمل الجص بعد تفريغ حملها, وإلا من أين جاءت هذه الأهزوجة"حس البرشوم يغني طير النوم عني" ولك ان تتخيل مدى بؤس وجفاف الحياة العاطفية التي يطرب فيها الإنسان لسماع البرشوم اما المشموم (الريحان) والاغنية التي ترددها البنات فهي تبيح عن مكنون قلوبهن رغم بساطتها وقصرها والتي تقول" يازارع المشموم فوق السطوحي لاتزرع يازين عذبت روحي" ومن يدري فقد يكون زارع المشموم اخفش افطس, ولكن ما حيلة البنات اذا انعدم المتنفس وكانت هذه الاغنية المتنفس الوحيد التي تعبر عما يختلج في قلوب البنات?

* رجل أعمال
 

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*