إذا كانت " 8 آذار" تنشد الحماية السورية فإن من حق "4 آذار " ان تختار دولة تحميها ايضا
تعتبر أغلبية القيادات المذهبية والطائفية في لبنان,والتي تجر خلفها أحزاباً مثقلة بالعنصرية الدينية, بأن ذكاءها السياسي ينبع من قراءتها للمستجدات السياسية الدولية والإقليمية تجاه سورية, ومن رسمها لأطر سياستها "الداخلية" أو على حد تعبير النائب السابق فارس سعيد "البلدية", تبعاً لهذه المستجدات, أي على أساس أهمية الدور السوري الجديد, ومدى تأثيره على مجريات الأحداث على الصعيدين الإقليمي والدولي. ففي حالة الضعف والعزلة والانكفاء السوري عن الساحتين الإقليمية والدولية, كانت تستقوي الزعامات اللبنانية, وتطلق لنفسها العنان بمهاجمة سورية, بالوسائل المتاحة والمتوفرة. أما في حالة الاحتضان الإقليمي والدولي لسورية كما هو حاصل الآن, رأينا كيف تراجعت نبرتها الهجومية من ناحية, وكيف هي بصدد ترميم وتحسين أوضاعها مع الجانب السوري, مقدمة أقصى التنازلات من أجل ذلك.
أما الرأي العام الشعبي اللبناني, فهو بات معتاداً على هذا النمط من الاستدارات في المواقف, ويصنف دائمي التغير والتلون كالنائب وزعيم "الكانتون" الدرزي في الجبل, وليد جنبلاط, والنائب ميشال عون في خانة واحدة, عنوانها "المهرولون على طريق بيروت- دمشق". ولابد من الإشارة الى ان تميز الزعيم الدرزي بهذه الصفة, وأيضاً الجنرال عون, لا يلغي احتمال انسحابها على مختلف القيادات والزعامات الطائفية الأخرى. فتاريخ الرئيس أمين الجميل على سبيل المثال في تخليه عن بعض حلفائه, وفي تراجعه عن مواقف سابقة, وفي ضربه الرقم القياسي بالزيارات إلى دمشق, قد يشكل منافساً لتاريخ الزعيم الدرزي في هذا المجال. والأمر جائز بالنسبة الى اي زعيم لبناني آخر, حيث أن هواجس الناس تأتي في المرتبة الثانية عند الجميع. فخوف المواطن وتوجسه من عودة الهيمنة السورية من جديد لم تعق يوماً أو يشكل حجر عثرة أمام هرولة أي من هؤلاء الزعماء, أو سواهم, من الباحثين عن مصلحة خاصة من وراء الزيارة. يبقى أن القاعدة المسيحية عاقبت الجنرال عون في الانتخابات بعد ارتمائه في أحضان "حزب الله" وسورية, وجمهور وقاعدة وليد جنبلاط هي اليوم بحالة انزعاج وتأفف, وهي تنظر إلى زعيمها وهو يسير في ركب "حزب الله" وإيران, وهو يبذل أقصى التنازلات من أجل أن تستقبله دمشق. ولكن الزعيم وليد جنبلاط أو سواه يظل يراهن على خروجه سالماً من هكذا محن, لأن زبائنية قاعدته ومناصريه وارتهانهم وفقدانهم لإمكانية اللجوء الى مرجع طائفي فاعل آخر, هي كفيلة بتعويمه كل مرة.
في الحقيقة ليس ما يضيم في إقامة أحسن العلاقات بين البلدين الجارين. وقد لا يحتاج اللبنانيون إلى حدوث ما لا يسر القلوب مثل إقفال الحدود, أو إعاقة سير النقل البري باتجاه الداخل العربي, حتى يتيقنوا أن مصلحة لبنان واقتصاده, تكمن أولاً وأخيراً في علاقات, فلنقل, طبيعية, كعلاقات أي دولة بدولة جارة أخرى, وعلى قاعدة حفظ المصالح المشتركة بين البلدين. ولكن العلاقات الطبيعية شيء, والعمل على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء عن طريق فتح قنوات فئوية وعشائرية مع دمشق شيء آخر. وقراءة موضوعية للمستجدات الإقليمية في ما خص سورية والتي تنعكس بطريقة أو بأخرى على طبيعة العلاقة بينها وبين لبنان, تحتم تنظيم هذه العلاقة, ولكن على أسس صحيحة ومتينة.
أن القواعد السياسية المطلوبة والتي من المفترض أن تحكم العلاقة بين البلدين لا يجب أن تكون لا عبر "حزب الله", ولا عبر العماد عون, ولا عبر وئام وهاب, أو سليمان فرنجية, أو وليد جنبلاط, أو ربما أمين الجميل. العلاقات الصحيحة والبناءة تكون عبر رئاسة الحكومة, وعبر رئيس الجمهورية, ورموز الدولة وليس عبر الأحزاب الطائفية. ولكن هؤلاء الزعماء إياهم والذين بهرولتهم سابقا ورطوا الدولة والشعب بتسلط سوري دام ما يناهز العقدين من الزمن, هم حاليا في مسعى مشابه الى تجديد هكذا أوضاع غير طبيعية, أقل ما يقال فيها أنها مسيئة لشعبهم, الذي ارتهنوه طائفياً وقادوه غريزياً وراءهم. والمشهد الذي نحضره في الآونة الأخيرة في انبطاح بعض الزعماء أمام وكلاء سورية في لبنان, لهو تشويه ويشكل انحرافاً لمسار إقامة العلاقات السوية والندية مع دمشق. والمؤسف أن بعد كل ما عانى منه اللبنانيون في فترة الوصاية, عاد زعماؤهم إلى نغمة الانبطاح إياها, التي قد تؤدي بهم إلى سابق عهدهم من الوهن والضعف والانكفاء. مع العلم أن الضعف يجر الضعف, والانكفاء يؤدي إلى انكفاء أعمق.
لا أحد ينكر أن لسورية مطامع تاريخية في لبنان تتمثل اليوم باستعماله كورقة ضغط إقليمية. ولكن السؤال هو من المسؤول عن تسهيل مهمتها وعن تعبيد الطريق أمام تنامي نفوذها في لبنان من جديد?
إن في المصالحات الحاصلة اليوم ضرب لميثاق العيش المشترك بين مختلف مكونات الشعب اللبناني. فهذه المصالحات والتي سماها مناصرو الزعيم الدرزي "مصارحات" لتخفيف وطأتها, وللتمويه على فحواها ومضمونها, تشكل صك براءة للسلاح غير الشرعي, إذ تقر بأمر واقع هو تفوق هذا السلاح, وبالتالي تشرعن الحاجة لالتماس الحماية منه ومن فورات غضب حامليه, بواسطة قوة خارجية فاعلة وقادرة على ضبطه, ما يعني أن الثقة مفقودة بقوى الأمن الداخلي وبالجيش اللبناني, وما يعني أيضاً أن بقاء السلاح بيد الميليشيات التي تدور في فلك "8 آذار", سوف يبقى التهويل به قائماً, ويبقى الخوف مسيطراً, ويبقى انعدام التوازن بين مختلف مكونات الشعب اللبناني. وإذا كانت سورية بوارد تقديم الحماية لهؤلاء "الخائفين", أكثر من دولتهم, إذا كان الأمر كذلك, وهم لا يثقون بالحماية الداخلية, فالأفضل لهم أن يتقبلوا التماس أطراف "14 آذار" لحماية دولة خارجية يختارونها على مزاجهم, تحميهم وتستبيح لنفسها نفوذاً داخلياً بعد ذلك أسوة بسورية. ولكن عليهم أن يقروا ويعترفوا, بأن دولتهم هي دولة فاشلة, ويكفوا بالتالي عن الاستقتال والتقاتل للدخول والمشاركة في مجالسها النيابية والوزارية.
* كاتبة سياسية لبنانية
com.aoun@hotmail.e.mail:maha