من وحي الناس
يكفينا تفريغا لديمقراطيتنا من محتواها بسبب الجهل المفرط لبعض اعضاء مجلس الأمة
الحرية قيمة لا تعادلها قيمة, وهي مطلب قديم قدم الانسان على هذه الارض , وقد ناضل من اجلها, ودفع الاثمان الباهظة من اجل انتزاعها, واوجد الوسائل القانونية لحمايتها, حتى صار الفرد في المجتمعات المتقدمة هو سيد نفسه في عقله وجسده, وصار الجزء الوحيد من سلوكه الذي يكون مسؤولا عنه تجاه المجتمع والناس, والافراد هو ذلك الجزء الذي يمسهم بالاذى, او التعدي على حرية الآخرين وفق ما تنص عليه القوانين. فالحرية هي الغالية , والمقدسة , وهي التي تعتبر في الدول الحديثة والراقية الضمانة الحقيقية لابداعات العقل , وابتكاراته, وانجازاته في شتى مجالات العلوم والمعرفة, والثقافة, والفنون, وكذلك حل جميع ما يعترض وجوده من مشكلات وهموم, وقضايا لهذا وجدت القوانين, والدساتير التي تحمي الحرية بكل آفاقها, وما يهمنا في هذا الصدد هذا الهجوم الشرس على الحريات في الكويت, ومن اناس يفترض انهم يمثلون الامة والمجتمع الكويتي, فقد اقروا في اللجنة التعليمية في مجلس الامة ذلك القانون البائس والمدمر لعقول الشباب , والخارق لمبادئ الدستور لعام 1962 , ومصادر للحريات فحصدت الكويت تراجعا مخيفا في كل مجالات التعبير والبحث العلمي والفكري , والنشاط الادبي, والغريب العجيب ان بعض اعضاء مجلس الامة والذين يمثلون قوى التخلف, والاسلام السياسي الظلامي يشرعون مزيدا من قمع الحريات بالتحريم, والمنع, والضوابط الشرعية المطاطة, والفتاوى الغرة الساذجة والمتناقضة حسب مصالحهم المتهالكة, وتكميم الافواه, والحجر على العقول, والرقابة المتوحشة والارهاب الفكري , والجسدي الاعمى, ورغم بؤس قانون المطبوعات والنشر المقر إلا انهم لم يكتفوا بذلك, بل يريدون تحويل الكويت الى مقبرة لتطلعات الانسان في الحق الكامل في الحرية والتعبير عنها, وادخال البلاد في نفق مظلم بالتعديلات الجديدة التي اذا ما اقرت على ذلك القانون البائس, والكسيح والذي اذا ما طبق لن يبقى صحافي , ولا رئيس تحرير, ولا رئيس للقنوات المرئية والمسموعة إلا وادخل السجن او فرضت عليه الغرامات الفلكية التي ستطيح بكل ما حققته الصحافة والثقافة والادب من انجازات ترفع هامة الكويت بين الدول في عقدي الستينات والسبعينات, وستفرغ المواد الدستورية من مضامينها المواد 7-12-30-29-37 وسيكون المنع والتجريم, والتحريم هو القاعدة التي تجعل الحياة جحيما لا يطاق, ويتحول المجتمع الكويتي الى آلات تطحن بعضها بعضا , وينتصب في كل طريق تحريما, وتجريما كالعاهة او كالخنجر الذي يغوص في قلب, وعقل كل اصحاب الافكار الجريئة والحركة للتغيير والتقدم, والازدهار وخصوصا في وسط جو تعاني فيه الحكومة والسلطة التذبذب , والحيرة, واحيانا الصمت المريب امام هذه الممارسات الخارجة من كهوف تورابورا وترك الالسن البذيئة تملأ اجواء الوطن بكل اسفاف وانحطاط, فأي تغيير او تطور او رقي حضاري , او فكري يمكن ان نتوقع من قانون يراقب حتى النوايا , ويفرغ الدستور من محتواه في زمن نحن فيه احوج الى التلاؤم مع العالم, ومتغيرات العصر, ورياح الحرية الماطرة علما, وفكرا, وفنا, وغناء, وموسيقى, ومسارح وحقوقا للانسان لا تقبل الانتقاص او المساومة عليها.
يكفينا تفريغا لديمقراطيتنا من محتواها عبر العقود الاخيرة الماضية بسبب الجهل المفرط لبعض اعضاء مجلس الامة وعملهم على جره الى المجهول والفتن, والتدمير والارهاب, والتعصب , والعنف . من هنا لابد ان نتطلع الى نوابنا المستنيرين لوقف هذه المجزرة في الحريات وللقانون , والتعديلات التي تتلاقى معه والذي يشوه وجه الكويت, ويفقدها معنى وجودها في هذه المنطقة المأزومة, ويتركها مثلا للتحجر, والتقهقر والسقوط في الهاوية, فالدول لا يمكن ان تخوض معركة الوجود, ومعركة التحديث ضد المتربصين بها بالامزجة والولاءات الغاربة والتخلف والجهل, والغرائز المثارة وطغيانها في عصر جعل المستحيل ممكنا, واستنسخ النعجة والحصان, وغزا الفضاء ووصل الى زحل. فما أتعسنا في هذا الزمن الذي صارت فيه الغربان تهدل, والافاعي تزقزق, والثعالب تزأر وتستأسد, لهذا نقولها صراحة لا يمكن ان نعطي وجودنا بعدا انسانيا إلا بالحفاظ على أعز ما تمتلك الشعوب, وهي حريتها وهويتها وابداعاتها, ودساتيرها, وديمقراطيتها, ومن لا يهتمون بهذه المعاني فانهم سيكتشفون أنهم اولى ضحايا لا مبالاتهم بها.
*كاتب كويتي