وقفة تأمل
أولى مهام الإصلاح الديني تأصيل الروح والقيم الوطنية في الخطاب الديني لتغيير القناعات والمسلمات
لا خلاف على أن عامل الوقت ليس في صالح مجتمعاتنا التي تعاني التخندق الطائفي والمذهبي, فالصفيح الساخن لن يبقى كذلك إذا ما ظل طويلا على الموقد, فكلما طال الزمان برزت نجومية جديدة لرموز الطوائف أكثر شراسة من السابقين, وظهر في المقابل جيل أشد تعطشا لدماء المغايرين في الدين والمذهب, لكن لا يعني ذلك أن الحلول يلزم أن تكون سريعة وسحرية كالحوار الوطني.
لا نجادل في كون الحوار الوطني أحد أهم آليات بناء أجندة للشراكة الوطنية وتعميق أواصر التلاحم الوطني, وباختصار لا يمكن استبعاد هذه الآلية من أي مشروع وطني يهدف لبناء أرضيات مشتركة, بيد أن الحوار الوطني ليس طاولة سحرية تخضع الأطراف لاتفاق مشترك, وإن حدث ذلك فهو لا يعدو كونه اتفاقاً هشاً يتداعى مع أتفه طارئ.
فمهمة الحوار الوطني صياغة المشتركات الوطنية في أجندة عمل ومشروع وطني, حيث لا يسعى أي حوار لإيجاد أرضيات الشراكة عند كل طرف, ولا يهدف لتجذير هذه الأرضيات عند كل طرف,وبعبارة أخرى, ليس من مهمة أي حوار وطني إيجاد واكتشاف المشتركات الوطنية عند كل طرف ولا إقناع الأطراف بأهمية هذه الأرضيات الوطنية, فجل مهمة أي حوار هو الدفع بهذه المشتركات نحو أجندة وطنية, أما مهمة تجذير واستخراج قيم الشراكة وأرضيات ومشتركات كل طائفة فهي المسئولة عنها, وأي حوار دون تثبيت هذه القيم لدى كل طرف لا يعدو عن كونه نفاقاً سياسياً.
بسبب ذلك ندعي عدم جدوى أي حوار وطني في ظل غياب المراجعة الداخلية للمذهب, وفي ظل ازدياد معجبي رموز النعرات الطائفية, وفي ظل غياب دور للنخب الثقافية والدينية, وفي ظل البيانات والكتابات والمظاهرات والتصريحات التي تلغي الآخر بمسمى وطني.
ومن أجل ذلك نقول لا بد من مرحلة تؤهل للحوار والوطني, والتأهيل لا يعني الاستعداد النفسي والسلوكي, فمهما كان قدر تحلي الأطراف بالأدب والصبر والتعاون وغير ذلك من السلوك الأخلاقي الحسن من دون وجود قناعة بقيم الشراكة ومعرفة واضحة بالمشتركات فإن الحوار لن يحقق أكثر مما يتحقق في محافل التعارف.
والمرحلة التي يلزم أن تسبق أي حوار هي مرحلة تأصيل هذه المشتركات والأرضيات وتجذيرها في قناعات ووعي الطائفة والمذهب كل على حدة, ولا يكون ذلك إلا بالتفرغ للنقد الذاتي على صعيد الطائفة, والذي يتطلب مشروعا واضحا, ولعل أبرز اتجاهين يستحقان إعادة البناء فيهما هما, الخطاب الديني, والوعي السياسي.
ويمكننا القول إنه يصعب الفصل بينهما, أي أنه لا يمكن بناء وعي سياسي مع وجود معرفة دينية التي هي حصيلة الخطاب الديني تدعوه إلى الكفر بالآخر وإلغائه أو في أفضل الأحيان التعامل معه كذمي أو من باب التقية, ومن الصعب ممارسة الإصلاح الديني من دون وجود وعي سياسي يوجه ويستغل المعرفة الدينية في بناء قيم للشراكة السياسية.
بالنسبة للإصلاح الديني فإن الحديث فيه متعدد السياقات إلا أن ما يهمنا هنا هو ترميم الخطاب الديني فيما يتعلق بالشريك الوطني, وهنا يلزم القول أنه لا يقتصر مثل هذا الإصلاح على علماء الدين والفقهاء, وإنما يمتد لأصحاب الرأي المنتمين دينيا والمؤسسات الدينية وغير ذلك, والسبب يعود إلى أن علماء الدين أظهروا عجزا واضحا فيما يتعلق بالمسألة الطائفية بل لا نبالغ إن ادعينا أنهم في كثير من الأحيان يمارسون دور التأجيج بدواعي التكسب الشعبي أو السياسي.
إن أولى مهام الإصلاح الديني فيما يتعلق بالدائرة الوطنية هي تأصيل الروح والقيم الوطنية في الخطاب الديني, فحضور مفردات ومفاهيم الوطنية في الخطاب الديني يؤسس لتراكمات تدفع لتغيير القناعات والمسلمات, والإسلام كنظرية ليس قاصرا في ذلك, ولا تبدو بعيدة عنا أطروحات مقاصد الشريعة و مبتغاها.
ويجب في المقابل ألا ننسى أن المشكلات التي يعاني الخطاب الديني منها هي غربة قضايا الخطاب عن المجتمع, فغالبا ما يأتينا الخطاب الديني من الخارج إما عبر استقدام العلماء والخطباء أو عبر وسائل أخرى, وهو ما ينتج مجتمعا ذا معرفة بعيدة عن قضاياه, فالبيئة التي يأتي منها هؤلاء العلماء والخطباء تختلف عن الواقع المحلي والوطني وهم يجهلون عادة أولويات المجتمع وقضاياه, لذلك نحن اليوم بحاجة إلى توطين الخطاب الديني فيما يتعلق بقضاياه الاجتماعية والسياسية والوطنية عموما.
أما بالنسبة للوعي السياسي فيجب القول أيضا إن الأمر يجب ألا يقتصر على الأحزاب والحركات الإسلامية وإنما على أصحاب الرأي والمؤسسات, ولا يبدو أننا نحتاج لكثير من الدليل لإثبات عجز التيارات السياسية في احتواء الأزمات الطائفية بل عجزها في إشعال الفتيل.
لا يمكننا القول كثيرا في مسألة الوعي السياسي لأنه يتعلق أولا بمدى الحراك المعرفي والثقافي في القضايا السياسية, وأيضا مدى قابلية المجتمع وتجاوبه لتكوين وعيه السياسي المستقل عن التأثرات المذهبية والقبلية والحزبية, لكن الذي يمكن قوله هنا أنه من الصعب أن توجد مشتركات وطنية من دون وجود وعي سياسي يعي أهمية تلك الشراكات بالنسبة للوطن.
إن حاجة الطوائف للرجوع إلى الداخل والكف عن إلقاء اللوم على الخارج أي الطرف المغاير باتت حاجة ملحة اليوم لأن خطاب اللاوعي لا يتكامل وإنما يتضخم وبسرعة ومن دون هدف.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com