اشتدي أزمة تنفرجي, نقولها للمرة الألف... ربما تنفع الذكرى العقلاء, نقولها لأنها شعار من يأمل ويحلم بوطن مزدهر لا تعكر صفوه كل المهاترات التي تعطل مؤسساته ومشاريعه. الأزمة تشتد عندنا في الكويت, ودائما ننتظر الفجر ان ينبلج من عتمته الا ان الأمل لا يكاد ينمحي في ظل غبار الاثارة. فبعد استجواب رئيس مجلس الوزراء وثلاثة من الوزراء في جلسة نيابية واحدة بدأت صباحا واستمرت حتى فجر اليوم التالي, وانتهت الى الفشل, الا أنه للأسف ظل في النفوس ما ليس له مبرر, وبقي الاحتقان يعتمل في مراجل التصيد, وجاءت قضية الجويهل بخطابه الهجومي لتفجر ما في النفوس, ورغم أنه ليس في القانون او الدستور ما يحمي هذا الخطاب لأنه نتاج ثقافة لها ظروفها الخاصة, ورغم أننا لسنا في هذه العجالة في معرض شرحها, الا ان ما يمكن قوله أنها ولدت في ظل صراع ارادات يتنافى مع الأسس التي تقوم عليها الدول القوية.
جراء ذلك, ان ما نحن بحاجة ماسة اليه في هذه المرحلة هو العمل على تطوير القوانين والدستور من اجل الخروج من نفق الازمات التي تدلهم و لا تنفرج, لأن الزحف النيابي على صلاحيات الحكومة لا يتوقف بسبب ذهنية الديكتاتورية النيابية التي قد تأتي على الاخضر واليابس, وقد تشكل معضلة لا يدرك مخاطرها من يقودون هذه الديكتاتورية التي تستمد قوتها من ضعف الحكومة و استجابتها لمطالب من يحترفون ارهاب مؤسسات الدولة.
فها نحن أمام قضية القروض, التي رغم صراخ وزير المالية ومعه الحكومة ايضا, بأن الحل الذي وضعه بعض النواب غير دستوري وغير عادل, ويضر بالمركز المالي للحكومة وبالبنوك المحلية كذلك, الا ان الديكتاتورية النيابية تعلن انتصارها على تكتيكات الحكومة وكأنها انتصرت في الحرب العالمية الثالثة!
نقولها مرة اخرى, اشتدي أزمة تنفرجي, لأن في ظل كل هذا الاحتقان الذي أجبرتنا على العودة اليه الاثارات المجانية, يصبح لا مفر لنا الا مواجهة الحقيقة بضرورة تعديل الدستور بما يخدم مستقبل الوطن, من دون دفع أثمان كبيرة في قضايا مجانية هي في الاصل أجندات شخصية لمن أخذهم غرورهم الى التصور أنهم اكبر من الدولة.
بعيدا عن أي انفعال دعونا ننظر الى الدستور الحالي من زاوية الظروف التي نشأ فيها, والأسباب التي تقول باعادة النظر به بعد مرور خمس سنوات على العمل به. في مطلع ستينات القرن الماضي فصل الدستور على مقاس مساحة الكويت السياسية آنذاك, ولم تكن هذه المساحة تتسع للأيديولوجيات التي يرفع شعارها البعض للاستقواء على نظام الدولة, ولأن الامم تتطور ولا يمكن بالتالي سجنها في قفص القيود الدستورية التي عفى عليها الزمن, بات من الضروري ان يتماشى الدستور مع حاضر الأمة و يضمن مستقبلها, ويمنع قلة منتخبة من الشعب تستمد خطابها من ذهنية الديكتاتورية النيابية, من احتكار الدولة ومؤسساتها.
دعونا نقول كلمة سواء, كلمة رشاد, ونعترف ان الاحتقان سيبقى يعتمل في الكويت طالما أننا نحبس الدولة في قمقم, وهناك من سيظل يوتر الناس ويجعل قضاياها الخاصة قضايا شعبية وقودها الاحتقان طالما ان الثغرات في الدستور تتسع لكل رياح التهديد التي تهب من كل حدب وصوب من دون ان تتوافر الاداة المناسبة التي يمكن ان تسد هذه المنافذ.
صاحب الحاجة الخاصة, والذي في نفسه شيء, لن يقبل بالتخلي عن خطابه مهما فعلت الدولة له, وحتى اذا أشعلت الحكومة أصابعها العشرة شمعا, سيبقى يشعل هو وقود الاحتقان في مراجل التصعيد, ولهذا نقول أريحوا الكويت واهلها من كل هذا اللجج البرلماني عبر العمل على تنظيم انتخابات لمجلس تأسيسي جديد يعيد النظر في الدستور وتطويره, فلماذا لا يكون لنا مجلس نواب ومجلس شورى لكل منهما اختصاصه, وعبرهما تمارس اللعبة السياسية وعملية بناء الدولة من دون الرضوخ لذهنية الاحتكار البرلماني او الديكتاتورية النيابية التي لا تتوانى عن الذهاب بالبلاد الى شفير الهاوية, وللاسف من دون ان يرف لها جفن.
عبر هذا المسار نستطيع ان نعيد الى المسار الديمقراطي نقاوته ونبعد المتمصلحين في اللجج في قاعة البرلمان, فليس من العدل ان تختطف قلة البلاد و تكون الحكومة او النظام او بيت الحكم أسرى لها, ومن الظلم ان يغطي الصوت العالي صوت العقل, ومن الاجرام ان يصبح من يتاجر بأسرار الناس وأسرار أجهزة الدولة صاحب الكلمة الفصل, لأن كل هذه الممارسات تندرج في الاعراف والتقاليد السياسية في خانة الابتزاز السياسي, و لمنع كل ذلك دعونا نخلق ديمقراطيتنا الحقة النقية التي تمنع ان تتحول الكويت دولة فاشلة كما هي الحال في بعض الدول, او تنتهي بنا الحال كما انتهت اليه في لبنان.
ان الدول التي وجدت نفسها على حافة الزوال عمدت الى تعديل دساتيرها من دون اي تردد, ولم تلتفت الى صراخ المتضررين من الدولة القوية غير الخاضعة لأي ابتزاز سياسي, ولم تتوان لحظة عن مواجهة الحقائق بكل حزم من اجل الحفاظ على استقرارها.
ما نريده من الكويت هو ان تكون كويت الدستور والقوانين التي تطبق وفق الاصول وليس وفق الاهواء الشخصية, وإلا لن تكون الكويت كويتا وستتحول الى "طوفة هبيطة" اي نسمة تؤثر فيها, فهل ننزع العصابة عن العيون ونرى الحقيقة مجردة من اي أهواء شخصية? لعل من بيدهم أمرنا يعملون على تفريج كربنا.. لقد بدأنا نفقد الثقة بأنفسنا أمام هذا الهرج السياسي الذي يعلي أصحاب الصوت العالي ويلغي الصامتين الذين لا يملكون الا انتظار الفرج.
أحمد الجارالله