حوارات
المجتمع الناجح هو الذي تقل فيه الاحقاد التي تنتجها الشخصانية الانانية والشك في نوايا الأفراد
نعترف وحتى الآن, عادة ما نتفاءل قبل أن نتشاءم عندما نتعامل مع الآخرين, أي أننا لا نزال نتفادى "محاسبة نوايا الآخرين" ونبتعد قدر ما نستطيع من التشكيك في سوء خفايا قلوبهم وأذهانهم. نؤمن بحسن النية لأننا نعتقد أن محاسبة النوايا أمر يضر ولا ينفع, فالتشكيك بسوء نية الشخص الآخر إضافة إلى كونها سلوكيات سلبية ومدمرة, ستعكر أيضاً صفو العلاقات الاجتماعية, وستؤدي كذلك إلى تأليب القلوب وتمنع سبل الخير بل تقود كذلك إلى تحقين الاضغان وزرع الأحقاد والفتن, وهذه الأخيرة مدمرة للفرد وللمجتمع. حسن النية سلوك شائع بين بني البشر وإلا لما استمر تطور المجتمع الإنساني.
وبالطبع من يتأمل الخير وحسن النية عند الآخرين ربما سيصاب بكثير من خيبة الأمل عند تعامله مع بعض الأفراد, ولكن من يحاول أن يتميز إنسانيا وأخلاقيا هو من لا يقيس شواذ الأمور بعمومياتها. المتميز أخلاقيا وإنسانيا هو من يتجنب التعميم السلبي وينأى بنفسه عن السير وسط الطرقات المظلمة والتي إضافة إلى أنها تعتم الرؤية فهي كذلك تسحق أي فرصة مواتية لنشر "حسن النية" أو تطوير وتقوية العلاقات الاجتماعية الضرورية للفرد وللمجتمع.
فمن يواصل محاسبة نوايا الآخرين قبل أن ينتظر قليلاً ويقيسها بما يقدمون عليه من أعمال هو مثل ذلك الشخص الذي يتمنى أن يعيش وحيدا وسط غابة مظلمة. فأساس أي علاقة اجتماعية طبيعية ومتوازنة وفي أي مجتمع إنساني طبيعي هي افتراض أعضاء ذلك المجتمع حسن نية الآخرين وإبداء رغبتهم في العيش وسط مجتمع يزخر بالتصرفات السوية والأخلاقيات الايجابية. فعندما يسعى البعض وبشكل حثيث إلى توقع أن الآخرين" لا بد لهم أن يقدموا على ما هو أناني وسلبي" أو هكذا يقول لسان حال من يتشاءم, فان هؤلاء ومن دون أن يعلموا يمنعون سبل الخير ويؤلبون قلوب الناس على بعضها بعضا. نقول, المتشائمون والشاكون دائماً بسوء نوايا الآخرين سيمنعون سبل الخير في مجتمعهم والتي من المفروض أن تفرزها العلاقات الاجتماعية الايجابية, فبشكهم وريبتهم المعتادة سيدمرون ما يحاول الآخرون بناءه.
المجتمع الإنساني الناجح يستند أكثر من أي شيء آخر الى تناسق أعضائه وقبولهم بالفروقات الشخصية والثقافية بين الأفراد. أي أن المجتمع الناجح هو ذلك الذي تقل فيه الاضغان والأحقاد والتي عادة ما تنتجها الشخصانية الأنانية والشك السلبي في نوايا الأفراد. إضافة إلى دلالتها على الفشل الإنساني, فالاضغان والأحقاد الناتجة عن توقع سوء نية الآخرين تثير مختلف أنواع الفتن, وهذه الأخيرة هي الطاعون التاريخي الذي يدمر المجتمعات وينزع منها الآمال والتمنيات في التطور والتقدم.
كاتب كويتي
khaledaljenfawi@yahoo.com