لانعلم كيف تردت حال الشعب العراقي الذي كان مصنعاً للكفاءات الى مصنع لانتاج الخرافات
... وتستمر الملهاة المفجعة في العراق وتجر فصولا طويلة من التخلف المفجع الذي آلت إليه الأوضاع في العراق بعد تبدد حلم التنمية و التغيير و مغادرة السياسات الفاشية و بناء الدولة العراقية على الأسس العصرية و الحداثية التي تؤمن ببناء الإنسان أولا لانه أساس كل تغيير ? ولكن للأسف رغم كم المتغيرات الهائل على المستوى الكوني تراجعت عملية التنمية التبشرية في العراق في ظل الحكومات الطائفية "التعبانة" بدرجات مرعبة تؤشر على حجم الخلل الحضاري و الفكري و السلوكي الذي بات يعانيه المواطن العراقي بعد أن سمح لثلة من المتخلفين التحكم بمسيرته و حياته و مستقبله تحت طنين و رنين الشعارات الدينية المزيفة و الطائفية المستهلكة التي أكل عليها الدهر و شرب فبدلا من تجييش و حشد الشعب في عملية البناء الوطني الشامل و تعويض عقود التخلف و الوحشية و الحرب و الدمار نرى جر قطاعات كبيرة من بسطاء الشعب نحو تظاهرات ابتداعية زاعقة تساهم في تعزيز التخلف عبر تجاوز المعاني و القيم و المثل العليا لثورة سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) لمصلحة طقوس صفوية غريبة كل الغرابة عن فكر أهل بيت النبوة الكرام , لا بل أن المهزلة قد وصلت الى حدود تقديس حملات اللطم الشامل التي يشارك بها الصغار قبل الكبار متناسين إن القيم التي استشهد تحت رايتها إمامنا الشهيد لم تكن تحمل من عناصر النفاق بقدر ما كانت تعبر عن أخلاقيات الالتزام بالحق و الدعوة إلى الاصلاح و محاربة المنكر , فأين استشهاد أهل بيت النبوة من المهازل الخرافية السائدة في الشارع العراقي اليوم و التي حولت تلك الملحمة الرسالية الخالدة لمهزلة زقاقية! وفي ظل أجواء الفشل و الهزيمة الفكرية و الحضارية السائدة في عراق اليوم المنهك ومع استهتار النظام الإيراني بسيادة العراق وانتهاكه لقدسية أراضيه و سرقة ثروته الوطنية جهارا نهارا , و فشل حكومة حزب "الدعوة" و شركاه في التعامل مع الموقف بمسؤولية وطنية و أخلاقية محترمة لم يكن ليسد عار الفضيحة سوى اللجوء لطرق أبواب الخرافة و الدجل عبر تبني و تشجيع الروايات الخرافية التي تلهي الشارع و تحقق غرضها في الحشد و التعبئة و انتظار المجهول من "الإمدادات الغيبية" لتجاوز الفشل الواقعي , فبعد انتشار حكاية ظهور السيدة العذراء في كنيسة الوراق في مصر , وهي أحاديث و روايات تكررت كثيرا! لم يفوت أهل الخرافة و أساطينها في العراق و ما أكثرهم الفرصة لاختلاق رواية مشابهة في الإطار العام و مختلفة في الخصوصية تميزت بدعوى ظهور السيدة فاطمة الزهراء (ع) و خلفها فارس يرتدي حلة خضراء و يرفع سيفه و هو ممتط حصاناً في سماء مدينة الكوت العراقية ووسط الغيوم! وهو الأمر الذي تكرر كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية ومما تسبب أيضا بمآس اجتماعية كبرى كما حصل في مجزرة جماعة "جند السماء" في قرية الزركا القريبة من النجف عام 2005 وشيوع و إنتشار الخرافة في العراق المحتل ليس بالأمر الغريب بقدر ما هو خطة ممنهجة لتدمير العراق من الداخل فبمثل تلكم الأفكار لا يمكن أبدا المراهنة على سيادة و قوة شعب أو بلد, بل أن الغوغاء هم من يسير الأمور و أولئك تحديدا من تعتمد عليهم الأحزاب الفاشلة في وجودها و إستمراريتها, لا أدري لماذا لم يرفع فارس الغيوم سيفه بوجوه غلمان الحرس الثوري وهم يسرقون نفط العراق ? و لا أدري كيف يمكن لمثل هذه الخزعبلات و الأفلام الهندية الرديئة أن تجد لها جمهورها الواسع في هذا العصر الذي نعيش ? و لا أعلم تماما كيف تردى حال هذا الشعب الذي كان و إلى وقت قريب مصنعا للكفاءات و الإبداعات ليتحول اليوم إلى مصنع لإنتاج و تعليب الخرافات الجاهزة و بمواصفات تقنية عالية ? فقبل عامين ظهرت ظواهر غريبة في الشارع العراقي تؤشر على مدى سيادة عقلية الخرافة ومنها إن بعض البسطاء كان يرش الشوارع بالشعير و لما سئل عن سبب ذلك قيل أنه يعد العدة ويهيئ الطعام لإطعام حصان الإمام المهدي المنتظر! و غير ذلك من الأمور الميتافيزيقية الشيء الكثير , لذلك إن ما حصل من إشاعات لظهور المهدي في سماء مدينة الكوت العراقية هو تجسيد جديد للخرافة و للضحك على ذقون البسطاء و المحرومين إنه خبث السياسي الطائفي حين يجعل الدين و المذهب وسيلة للصعود و التكسب, وهي محنة جديدة للمجتمع العراقي الذي يعاني من الفوضى المستمرة حتى يقرر الله أمرا كان مفعولا.
كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com