وقفة تأمل
التراجيدية الحسينية حملت التناقض المحمود للأفعال فالقوة مقابل الضعف العاطفي والفرح في ظل الحزن
طبيعة فاجعة الملحمة ونبلها في الوقت نفسه أعطت للتراجيديا الحسينية بالنسبة إلى قيم النهضة دورين, فهي خصيصة من خصائصها وهي كذلك وسيلة مهمة من وسائل نشرها وترسيخها, ولا يمكن الحديث عن هذه التراجيديا بتفكيك هذين الدورين عن بعضهما بعضاً ذلك لأن قيم الملاحم يتداخل العقلي فيها بما هو عاطفي وهذا الأخير بحد ذاته وسيلة لنشرها.
في البداية يجدر بنا تمييز مصطلح التراجيديا عن دلالاته في الاصطلاح الغربي, فالتراجيديا الغربية والأوروبية (وليس بالضرورة الأفلاطونية والأرسطية) حملت خصوصيتين, الأولى خصوصيتها المرجعية حيث أنهم انطلقوا في تعريف الاصطلاح ضمن مناهجهم المادية (العقلانية أو اللاعقلانية), أما الثانية فهم انطلقوا في تعريفاتهم للمصطلح من خلال الأعمال الأدبية التراجيديا الغربية والأوروبية والإغريقية.
أما التراجيديا التي نحن بصدد الحديث عنها فهي ملحمة كربلاء في صورتها المأسوية والنبيلة وطرق التعبير عنها وسردها, وتمايزها عن التراجيديات الأخرى بالإضافة إلى مرجعيتها السماوية أن أبطالها وفق العقيدة الإمامية معاصرون إلى اليوم بالإمام المهدي (عج), وأنها لم تخص شعبا ولونا وعرقا وثقافة معينة إنما هي جاءت في قيمها إنسانية عامة.
ولهذا كرس أهل البيت (عليهم السلام) هذه التراجيديا كسنة من السنن التشريعية, والقارئ لتاريخ الشعائر الحسينية ومدى الاهتمام الأقصى الذي ابداه أئمة أهل البيت يتساءل عن السر في عرض القضية بصورتها التراجيدية وليس بصور وسياقات أخرى مثلا, بعض الأهداف والتفسيرات (بالنسبة الى علاقة التراجيديا بالقيم) تكمن في النقاط التالية:
1- الالتفاف والالتصاق بأهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم, فالتراجيديا الحسينية جعلت علاقة الشيعة بالأئمة أكثر حميمية وتجانسا على مر التاريخ وهو ما ساعد في نشر القيم وتوطيدها على مر الأزمنة.
2- أن التراجيديا أفضل خطاب ولغة تقوم بشرح مقاصد القيم والغاية منها, فمهما بلغت فصاحة وبلاغة المنطق والعقل فإن للعاطفة والمشاعر قدرة سلسة لإيصال المعنى والمقصد, وهو الأمر الذي لا يعني أن لا عقلانية لتراجيديا القيم الحسينية, هذا من جانب, أما الآخر فالتراجيديا تملك أدوات لا تمتلكها غيرها, كالأدب, المسرح والتمثيل, الخطابة, المأتم والبكاء, الخطابة المنبرية, لبس السواد, اللطم, النشيدة واللطم, الدعاء والزيارة.
3- العلاقة بالقيم جزء منه يتصل بالعقل وآخر بالعاطفة, فمن الممكن أن يفهم مجتمع ما ويستوعب أهمية ومكانة التضحية كقيمة من القيم لكنه ليس بالضرورة أن يضحي إن لزم الأمر, لأن التضحية كقيمة تحتاج إلى التعلق بها بزخم عاطفي, ومقاومة الاحتلال والدفاع عن الوطن كذلك لا يكون إلا بوجود جرعات مشاعرية وعاطفية تدفع بالمجتمع نحو تبنيها.
4- تملك التراجيديا بأدواتها قدرة على مخاطبة جميع المستويات, الفئات, الطبقات والأعمار, فالخطاب التراجيدي متنفذ لأنه يخاطب العاطفة وقادر على غرس بذور القيم.
5- تمتاز التراجيديا الحسينية أنها لا تقف عند حد العاطفة بل تصل إلى الروح, والروح أساس الهمة والفاعلية التي تتعطش لها القيم الحية, وهو واضح في تاريخ الثورات التي جاءت بعد ملحمة كربلاء والتي كانت تصل في بعضها إلى التهلكة(وهو الخلاف الذي فصل العلويين عن خط أهل البيت (عليهم السلام), وهذه التراجيدية على عكس بعض التراجيديات الأخرى التي تلهب العاطفة لكنها تقف عند حدودها, وهذا ما يؤكده قول الفيلسوف الأوروبي شوبنهور عن التراجيديا عندما يقول "إن ما يخلع على كل شيء تراجيدي أيا كان الشكل الذي قد يظهر به قوته الدافعة الخاصة إلى السمو هو الإدراك الباهر لكون العالم والحياة لا يستطيعان منحنا أي شعور حقيقي بالرضا, ومن هنا فإنهما لا يستحقان ارتباطنا بهما, وفي هذا تتمثل الروح التراجيدية, ومن هنا تقود إلى الاستسلام", وهنا تكمن مفارقة التراجيدية الحسينية في أنها تصل الى الروح لأنها ميتافيزيقية تؤمن بأن جزاء الآخرة يعطي الشعور بالرضا, لكن في المقابل, ليس كل مجتمع تنفذ فيه التراجيدية الحسينية إلى الروح, ولهذا فهي ميتة.
6- تبني المجتمع والإنسان أي قيمة تحتاج إلى حالة ومرحلة غسول وطهور وهو ما تنجزه التراجيدية الحسينية, فقيمة كالتضحية تتطلب زهد النفس بالدنيا, وقيمة التعاون والتكاتف تحتاج إلى نبذ الأنانية وحب الذات, وقيمة كالإيثار مقدمتها الزهد.
7- التراجيدية الحسينية حملت التناقض المحمود للأفعال (إن جاز التعبير), فالعنف مقابل الرحمة, والقوة مع الضعف العاطفي, والفرح في ظل الحزن, والتحمل بوجود عجز, وهذه التناقضات المحمودة تساعد على توازنية القيم و وسطيتها, فقيمة القوة لا تعني البطش, والشجاعة يجب ألا تؤدي إلى التهور, والحرية لا تؤدي للتحرر, وهذا الاعتدال في المشاعر التراجيدية هو ما يشير إليه ديفيد هيوم عندما يقول أن الدغدغة تبعث إلى اللذة لكن "إذا ما دفعت قليلا أكثر مما ينبغي فإنها تصبح ألما".
إن قدرة التراجيديا الحسينية على اختراق النفس هو الذي أعطى خاصية لقيم النهضة الحسينية على أن تكون قيما راسخة وخالدة ولولاها لما كان لهذه القيم هذا الحضور في الوجدان الشعبي, لكن أن تخلق للقيم الحسينية روحا فهو الذي لم نبلغه.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com