وقفة تأمل
واقعية القيم مقدمة لبناء الحداثة العربية والإسلامية والمتتبع للحداثة الغربية يعرف أنها تكمن في الإبداع
لا نعني بواقعية القيم قابلية تطبيق القيم على أرض الواقع, فأي قيم عقلية يمكن أن تجد لها أرضا في الواقع, وإنما واقعية القيم تعني طبيعة علاقة القيم بالواقع, فهل هي بالضرورة متصلة? أي أن وجود القيم في وجدان المجتمع هل بالضرورة يؤسس لتغيير الواقع وتصحيح مساره? أم من الممكن أن تنفصل القيمة عن الواقع ولا تكون القيمة سببا لتغيير وتصحيح الواقع?
ويستتبع ذلك تساؤل عمن مدى التشابه بين قيم النهضة الحسينية وقيم الثورات الأوروبية مثلا, فجميعها دعت إلى الحرية والتسامح والحقوق الإنسانية وغير ذلك, فإن كان لتلك القيم من تشابه ومطابقة عندئذ يمكن الإقرار بأن القيم قادرة أن تنفصل عن الواقع, أي أن القيمة ليست وثيقة الصلة والربط في أي تغيير في الواقع, وأن أي تعديل وتغيير في الواقع ليس بدافعية القيم, لماذا?
لأن ثورات ونهضات أوروبا وفلاسفتها أثبتوا إمكانية أن تنفصل قيمها عن الواقع وألا تكون هذه القيم هي المحرك والدافع, فالثورة الفرنسية التي دشنت دستوراً ديمقراطياً غير الخارطة السياسية في العالم والتي أقرت بحق الإنسان بالحياة الكريمة وقننت الحرية المدنية والسياسية, لم تمر إلا بضع سنين حتى غزت واستعمرت دولا عربية وانتهكت الحريات والحقوق واستعبدت أهلها وغير ذلك, وهي بذلك انفصلت عن قيمتها التي كانت قد تأصلت في الوجدان الأوروبي.
وأثبتت العقلية الفلسفية للحضارة الغربية إمكانية الانفصال بين القيمة والواقع الإنساني عندما جعلت من عقل الإنسان المادي (العقلانية المادية) مركز الكون وآمنت بقدرته على خلق وإنشاء منظومات أخلاقية, فوقعت في معادلات رياضية مادية وظيفتها حساب الربح والخسارة من دون مبالاة لقيمة الإنسان بما هو كائن إنساني, فجعلته سلعة كباقي السلع يباع ويشترى, بل ويجزأ إلى سلع للذة وأخرى للاستهلاك, وهي بهذه المادة ألغت الثنائيات (الخير والشر, الحق والباطل, الخالق والمخلوق) عندما أقرت نسبيتها على الأسس المادية, فانفصلت بذلك القيمة الإنسانية عن الواقع المادي.
وأثبت أيضا في اللاعقلانية المادية (ما بعد الحداثة) أن الإنسان بما أنه جزء من المادة والطبيعة فحكمه حكم سائر الكائنات في الطبيعة, وأسهب نيتشه في عدمية القيمة والمعنى, ثم تفكيكية فوكو وتناقضية دريدا وهايدغر, وأنتج في العقل الفلسفي الأوروبي والغربي اليوم ما يعرف بأزمة المعنى أو أزمة القيمة.
لهذا لا يمكن القول بتوافق وتشابه قيم النهضة الحسينية بالقيم الأوروبية والغربية, وهو ما يعني أنه لا يمكن لقيم النهضة الحسينية أن تنفصل عن الواقع, وذلك لأنها قيم ميتافيزيقية إلهية وهي تختلف عن القيم المادية, فالقيم الميتافيزيقية هي قيم متصلة بذات الإنسان وواقعه من جهة وبالخالق الإله من جهة أخرى, لهذا نجد جميع الكلمات التي خطها الإمام الحسين -عليه السلام- في كربلاء والتي دونت القيم الإنسانية كانت مرتبطة بالإله (مثال: لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا), فقيم النهضة الحسينية قيم لا تنفصل عن الواقع لأنها قيم إلهية لا تتغير مهما تغير الواقع وتغيرت المصلحة.
هذا الربط بين قيم النهضة الحسينية والواقع يعني أن أي إصلاح للواقع يكون بدافع القيم السماوية لا بدافع الربح والخسارة المادية, وهو يعني في الوقت نفسه أن القيم التي يحملها الإنسان لا معنى لها إن فصلت عن الواقع الخاطئ والمنحرف, لهذا أكد أهل البيت -عليهم السلام- دوما على هذا الاتصال, فلا مبرر ومعنى لوجود القيم إن لم تغير الواقع السيئ والمنحرف.
فكم الروايات والأحاديث الذي تحدث عن فضل زيارة الحسين -عليه السلام- في عصر بني أمية وبني العباس كثير وفضله غير محصى, لم يكن ذلك من أجل حساب الأجر والثواب وإن كان مستحقا, وإنما لخلق روح التحدي الداخلية لدى الإنسان وتبني موقف سياسي رافض للاستبداد والظلم والواقع المنحرف, فزيارة الحسين -عليه السلام- كانت في ذاك الوقت تعتبر انضماما رسميا للمعارضة السياسية.
وهكذا الأمر مع الهدايا والعطايا الضخمة التي كان أهل البيت -عليهم السلام- يغدقونها على الشعراء الرثائيين, كانت بمثابة وصل القيمة الإنسانية بالواقع وجعلها سببا لتغيير الواقع, ولعل ذلك يبدو واضحا وجليا في شرطية المعرفة بحق الإمام الحسين -عليه السلام- لنيل الثواب الأكثر, قال الإمام الكاظم -عليه السلام- »أدنى ما يثاب به زائر الحسين -عليه السلام- بشط الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر«.
فقيم النهضة الحسينية عندما تفقد صلتها بالواقع تفقد مبرر ومعنى وجودها, لأنها وجدت للواقع, وما الانفصال إلا تحويل لتلك القيم إلى خانة الشعارات والطقوس وحسابات الأجر والثواب, ولا نحتاج الى كثير من الأدلة لتبيان أن فلسفة الشعائر الحسينية التي دشنها أئمة أهل البيت -عليهم السلام- كانت من أجل استنبات قيم النهضة الحسينية لتكون الدافع الى تغيير الواقع ومناهضة الظلم وإحلال الحق.
ولا نبالغ إن ادعينا أن واقعية القيم, أي الربط بين القيم الانسانية والواقع الانساني, هي مقدمة لبناء الحداثة العربية والإسلامية, والمتتبع لتاريخ الحداثة الغربية في مجاليها السياسي والفلسفي يجد أن خلاصتها تكمن في الإبداع الذي تلخص في تحويل قيم إنسانية لواقع ملموس.
* كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com