من وحي الناس
قوى الظلام والإرهاب تريد إغلاق الوطن علينا ليحيلوا الحرية والفن والابداع والغناء والمسرح والفرح إلى منكرات وكفر وإلحاد
رفعت القلم فوق بياض الورق, وفي الرأس افكار كثيرة محتشدة دفعة واحدة على باب الذاكرة, فتعطلت عملية المرور, قلت في نفسي: الأفكار ايضاً بحاجة الى شرطي مرور, وتذكرت ان بعض الافكار لا توقفها صفارة شرطي المرور, ولا حتى الاشارة الحمراء, وبما اني اكره الخروج على القانون فقد قررت الا اسمح بمرور بمثل هذه الافكار, وادرت التلفزيون على القنوات الفضائية, انتقل من قناة الى اخرى من الشمال الى الجنوب ومن الغرب الى الشرق, كلها اخبار فاجعة من كابول الى بغداد, ومن بيروت الى البيت الابيض, ومن خان يونس, ورفح إلى الرياض, والرباط, ومدريد والخبر, جثث, وخطف, وقتل, وهدم بيوت, ودماء, وموت ثم تأتي الاعلانات عن منظفات للاواني, ومنظفات للاسنان, وللثياب, ومنظفات للشعر, والوجه, والسيقان ... فأتساءل في نفسي: هل العالم قذر الى هذه الدرجة?! او ليس هناك منظف واحد للروح, وللعقل, أو ليس هناك من منظف يغسل الانسان من الوحش العالق في روحه فيتنفس مثل زهرة تهدي عطرها, وجمالها وحبها لكل الناس?
فما اجمل البحر وامواجه فهو يضحك رغم ما يلقى به من الاقذار, والزرقة في السماء تضحك والهواء يلعب, ويداعب شعور, وضفائر الشباب, والشابات, والدنيا تفتح ذراعيها للقلوب المحبة, والقلوب العاشقة.
وضعت شريطاً لفيروز, وفيروز في الصباح تفتح القلب, غنت فيروز لبنان الاخضر اشفقت في سري على فيروز, وعلى جميع الحالمين, الذين تغنوا بشريط العشب الاخضر الذي يسبح في العالم, والعالم مسيج بالاسلاك الشائكة, وبالاسلحة, والرعب, والسيارات المفخخة لقتل الانسان, وقتل الفرح, وقتل الحرية. فتوى الظلام, والارهاب تريد اغلاق الوطن علينا ليحيلوا الحرية, والفن والابداع, والغناء والمسرح, والفرح الى منكرات, وكفر وإلحاد, ويحيلوا الرسالة الكريمة بفتاواهم وتحريفاتهم إلى افكار مرعبة وعبثية, والموت من اجل لا شيء.
ترى اي كارثة جعلت من الضحكة حراماً, ومن الموسيقى اصواتاً للشياطين, وشعر المرأة ووجهها عورة وصوتها فتنة, وسحقها كياناً ووجوداً وحياة, والاختلاط في حرم الجامعة انحلالاً? وجعلوا الشباب يجلده الفراغ, تتناثر منه الاقدام, ولا يدري اين المسير? فالوحش الاصولي يصول ويجول في ساحات الوطن وبتفويض من السلطة ولا مبالاتها وتركها نهباً لذئابهم المفترسة ليعيثوا في الوطن تخريباً عبثياً لا مخرج له, ولا نهاية الا بالموت فعقيدتهم الاصولية, الظلامية تريد من الناس مغادرة هذا العالم الفاسد الفاني, والبطل في هذه المسرحية العبثية هو الموت, والقتل من اجل القتل للاطاحة بكل ما حققه الانسان من انجازات حضارية, وحقوقية وعلمية, وثقافية, وفنية, وابداعية فكم يصيب الانسان من الحسرة, والألم حين نسمع ان مسرح »البولشوي« الروسي والذي يزيد عمره عن 220 عاماً, بدأ ترميمه الآن بينما لا نجد مسرحاً واحداً في الكويت يمكن ان يطلق عليه اسم المسرح, فالثقافة, والفن والابداع لا مكان لها في برنامج السلطة, ولا حتى في خلية من تفكيرها فهي مشغولة بحسابات اخرى وتخطيطات وصفقات لا علاقة لها برقي المجتمع وازدهاره وحداثته ولحاقه بقطار التنمية والحرية والمعاني السامية.
فالى متى تتمادى السلطة في لا مبالاتها للفتن ومروجيها ولوحوش الموت, والكهوف واطلال الفواجع يقتلعون خضرة الوطن والفرح والحرية واستزراع قشور الفقه ال¯ »بن لادني« والظواهري المستحيلة من كهوف »تورا بورا« وعلى موائدهم تحط الاوساخ والآهات, والعبوس, والزمن العجوز, والعنف, والقتل, وتفجير العالم الذي لا يؤمن بمعتقداتهم السادية, والديماغوجية التي تحول الكون الى عالم غريب من المحرمات, والهروب من الحياة الى الموت?
ان على قوى التحرر والتقدم والديمقراطية في هذا البلد دوراً خطيراً واساسياً للوقوف في وجه قوى التدمير, والانحدار الى الهاوية والدفاع بكل بسالة وعناد عن مكتسباتنا الديمقراطية, وروح الحياة ليصبح الانسان صاحب الحق في الازدهار, والتفتح والخير والنور لديه كل ادوات الدفاع, والمنعة والقوة لفتح باب المستقبل, باب الحياة الذي ينادينا وينتظرنا, وينتظر دورنا فيه في عالم الحقوق الحرة, والواجبات الحرة, والاختيارات الحرة فمجتمعنا الباكي من غربان النكد وسطوتهم يريد ان يضحك, يريد الحب والخير والجمال فهل كثير ان نحلم بهذا القليل?