Porsche
إقرأ المزيد..
  • الحمود يرفض التوزير احتجاجا على اخت...
  • دول "الخليجي" تتجه للاعتراف بـ"المج...
  • صوت البراك.. للوسمي لا للسلطان
  • تركيا تسعى لمؤتمر دولي واستعدادات ل...
آخر المستجدات:

الصفحة الرئيسية  أحمد غلوم بن علي
24/12/2009
الثبات من خصائص قيم النهضة الحسينية

وقفة تأمل
الثبات في القيم هو مايوجد المعنى للانسان والحياة وبالتالي تعني ثبات المجتمع
تبدو خاصية الثبات للقيم مسلمة في المخيلة الدينية والإسلامية كونها نتاج طبيعي للخلفية الثقافية للإنسان المسلم, لكن في زمن عولمة الثقافة الغربية لم تعد مسلمات المجتمعات المسلمة بمعزل عن التبدل والتغير في القيم والمعاني التي تعاني منها المجتمعات الغربية, من هنا تأتي أهمية الثبات التي خطتها قيم النهضة الحسينية.
إن الثبات الذي يحمل في طياته دلالات الاستقرار والوضوح يستمد ثباته من وجود مرجعية وأرضية راسخة يرتكز عليها, وثبات قيم النهضة الحسينية ليس لأنها تمتلك تلك المرجعية فقط وإنما لأنها نقشت بجدارة وعناية عبر ملحمة مفجعة, فالكلمات التراجيدية التي دونت في عاشوراء أكدت وركزت على هذا الارتباط أي إرتباط القيم بالمرجعية الميتافيزيقية أو الإلهية, ومن ذلك طلب محمد بن الحنفية من الإمام عدم الخروج لكربلاء ووعده الإمام بالتفكير, لكن عندما عزم الإمام عليه السلام الخروج, سأله ابن الحنفية "ألم تعدني بالنظر فيما سألتك" فرد عليه الإمام عليه السلام "بلى ولكن بعدما فارقتك أتاني رسول الله (ص), وقال يا حسين أخرج فإن الله شاء أن يراك قتيلا ... وقد شاء أن يراهن سبايا", حيث كان باستطاعة الإمام الرد عبر التأكيد على أهداف ثورته لكنه أرجعها للغيب والمطلق.
فارتباط القيم بالمرجعية السماوية هو الذي يؤسس لثباتها, فعندما يكون الأصل والأساس والمرجع ثابتا تكون القيم والمثل والمبادئ ثابتة أيضا, فالقيمة تحتاج إلى نقطة ارتكاز وفيصل محدد للثنائيات, بعبارة أخرى, المرجعية هي المحددة لما هو خير وما هو شر, وما هو الحق وما هو الباطل, ما هو الخالق وما هو المخلوق ومن دون هذه التحديدات لا يمكن اعتبار لأي قيمة معنى ووزنا لأنها عندئذ تكون نسبية, فاليوم قيمة وغدا قيمة أخرى.
هذه المرجعية هي التي تثبت القيمة وتخرجها من التغير والتبدل و التحور, أما من دون وجود مرجعية إلهية أو أخلاقية حتى "كما عند بعض الطوائف غير المسلمة" فإن أي مرجعية أخرى لا تستطيع ذلك لأنها لن تستطيع أن تؤسس الثبات, فالمرجعية الطبيعية التي أقرت بقيمة عقل الإنسان وكونه مركز الكون وفوق الطبيعة تقرر فيما بعد أن الحيوان مساوي في القيمة للإنسان الدارويني, والمرجعية المادية التي أقرت بالعمل كقيمة مقدسة (مدرسة آدم سميث الاقتصادية) عندما كانت أوروبا في طور الإنتاج والصناعة تحولت القيمة فيما بعد إلى السلعة والاستهلاك (المدرسة الليبرالية الحديثة) عندما باتت في طور الاستثمار المعولم.
وبالنسبة الى الجانب الغربي يبدو واضحا أن الأزمة بدأت منذ طلاقها من مرجعيتها اللاهوتية الدينية ثم زواجها العلمانية التي فصلت في بادئ الأمر الدين عن مؤسسات الدولة السياسية ثم توسع الفصل ليشمل شتى نواحي حياة الإنسان (العلمانية الجزئية والشاملة وفق تسمية عبد الوهاب المسيري), وعندما فقد الإنسان والمجتمع الغربيين المرجعية الدينية وقعا في العدمية, وضياع المعنى, وزوال القيم, وهو ما تصدره لنا اليوم عبر "الماركة" العالمية والموضة والصرعات الثقافية والاعلامية.
إن مسألة الثبات بالنسبةإلى القيم أمر مهم وضروري, لأن هذا الثبات في القيم هو ما يوجد المعنى للإنسان والحياة, فالقيم غير المتقلبة وغير المتبدلة تصنع للإنسان تصورا واضحا بشأن ماهيته والمعنى الذي يسير فيه والأهداف التي يمضي إليها, وهكذا بالنسبة إلى المجتمع, فثبات القيم تعني ثبات شخصية المجتمع, وعندما تتحدد وتتأطر شخصية أي مجتمع فإنها قادرة على صناعة خياراتها ومانعيتها من أي موجات دخيلة أو اختراق لخصوصياتها الوطنية والتاريخية.
إن ثبات القيم وترسخها في أي مجتمع يؤهله لصناعة مستقبله بيده لا بيد غيره, فالقيم المثبتة في وجدان المجتمعات تصنع لديها إرادة ودافعية للحفاظ على خصوصياتها عبر صناعة مستقلة لمستقبلها وطموحاتها, أما المجتمعات التي تفقد هذا الثبات فإنها عرضة لاستيراد قيم الآخرين وبالتالي محو لخصوصياتها.
التراكم الاجتماعي والمعرفي الذي تؤسسه ثبات القيم وترسخها في المجتمع هو تراكم مسؤول, فالثقافة الناتجة من قيم مستقرة هي ثقافة واعية مسؤولة, وأيضا ثقافة واعية قادرة على فصل الصواب عن الخطأ.
إن المسألة الأساسية بالنسبة إلى المجتمعات في قضية ثبات القيم هي الهوية التي تصنعها هذه القيم, ففي ظل عالم متداخل الهويات بل جارف للهويات لن يكتب لأي مجتمع الحفاظ على هويته وخصوصيته من دون الارتكاز على قيم ثابتة, ولن يكون هذا الارتكاز إلا عبر حدث وقضية كبرى ترسخ من وجود القيم في الذاكرة الجمعية للمجتمع, ولا قضية أكبر في تنوعها وصداها من نهضة العاشر من محرم سنة 61 هجرية.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com
 

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*