من وحي الناس
المحرمات الثقافية والأنظمة التعليمية التقليدية تمنع العقل من أن يكون مبدعاً
الابداع يعني النشاط أو العملية التي تقود إلى إنتاج يتصف بالخبرة, والاهتمام والأصالة, والقيمة من أجل المجتمع, وإيجاد حلول جديدة للقضايا, والمشكلات, والنجاح في قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة يحدث تغييراً في الواقع ليس بالإمكان تكوينها من غير عقل ناقد, فهو عملية خلق, وفتح وليس عملية تقليدية, وعملية إرادة واصرار ومواجهة, وتخطي الواقع القائم الى الجديد المبتكر, فالابداع قيمة إنسانية عليا ودالة كاشفة للحيوية الإنسانية ولا خيار لنا للتقدم من غير الابداع. ولكن في ظل سيادة الأوضاع التقليدية المتخلفة والمناكفات المصلحية بين السلطات التشريعية, والتنفيذية والمجتمعية, وردع الفكر المبدع بالتكفير والردة, والتفتيش في النوايا وانتشار النزعات القبلية, والمذهبية يكون العقاب صارماً لا يناقش, وباسم الدين تكثر المكبوتات وتتسع المحرمات, ومجالاتها حتى تشمل السياسة, والمدرسة والجامعة والمؤسسات الأخرى باختلاف أنواعها, وكلما زاد الإرهاب الفكري والرعب الممارس باسم الدين انقسم المجتمع الى مجتمع عام يمتثل للسلطة, ومجتمع ضامر يمارس سراً كل الممنوعات.
فما الذي يمنع العقل من أن يكون مبدعاً? إنها بلاشك المحرمات الثقافية التي تمنع الانسان من ممارس الفكر الناقد, والانظمة التقليدية التي تقوم على الحفظ والاجترار, ولا تسمح بالاختلاف والتساؤل, وتفعيل العقل .. فنحن إذن أمام ثقافة يغلب على ممارستها وبنيتها الطابع القمعي, والنزوع الى القهر, وعدم التحليل والبحث بحرية وما يترتب على ذلك من مسخ للديمقراطية, واختفاء معنى الحرية الايجابي, واختفاء العدالة, فإذا سألت عن موقع التعليم من عملية القهر تجد نظام التعليم مرهوناً بالسلطات التي تدير المجتمع حيث يحل المعلم في نظام السلطة الأبوية محل الأب أو نظام الحكم, فتصادر الابداعات عن طريق اسلوب التعليم القائم على حفظ المعرفة المقدمة, واجترارها مقابل تضييق مساحات التفاعل والابتكار, فتشيع في تعليمنا ثقافة الذاكرة أو التلقين أو التعليم البنكي في مقابل ثقافة الإبداع, وتشيع أيضاً ثقافة الاجابات الحاسمة التي تعتمد على اليقين المطلق, فكيف يكون للتعليم امكانية الابداع داخل سياق ثقافي يحارب الابداع, ويعيقه? ومن اللافت اننا نسمع اصواتاً في السنوات الأخيرة تدعو إلى صياغة تعليم مولد للإبداع, ومشجع له واقتراحات فنية مفيدة في هذا الصدد, وان كانت تختزل ذلك الى مجرد اساليب وتقنيات ولا تلتفت الى انتاج الشروط الاجتماعية وتوسيع مساحات الحريات, وهذا هو المسكوت عنه, أي الابتعاد عن تغيير النسيج الثقافي الذي يضم خلايا الطاعة والقمع, والكبت والتحريم والتجريم فمن المهم اذا أردنا الحد الأدنى من الابداع, وخلق جيل ينتج الابداعيين, والابتكاريين فلابد أن يكون تعليم المستقبل متكيفاً مع التغييرات المتسارعة من حولنا, وأخذ المفيد من المعارف, ومهارات تقوم على التحليل والفهم, والحوار والحرية وإبداء الرأي وصياغة الوعي والعقل, وأنماط التفكير والسلوك للنظر الى الأمام, وليس الارتداد إلى الخلف وخنق الأصوات على سرير الماضي, وانطلاق العقل من ردهات الخيبة, والتردد وسلق الأيام والزمن والحلول في سفينة في عرض البحر وفي أفق هامد يغشاه ليل معتم وصامت.
* كاتب كويتي