لقد غرقت الحكومة العراقية في مستنقع الاختبار الجدي الأول وأثبتت أنها ظاهرة صوتية
قضية الاحتلال العسكري الإيراني الأخيرة لبئر الفكة النفطية العراقية الواقعة في محافظة ميسان الجنوبية قد رسمت خطوطا سياسية وستراتيجية وعسكرية واضحة على رمال العراق الساخنة , وأثبتت ان إدارة الحكومة العراقية لملفات الصراع إدارة ليست كفوءة و لا تتسم بالمسؤولية الوطنية وحتى الأخلاقية اللازمة لإدارة العراق في هذه الفترة الحساسة و الحاسمة من تاريخه و حيث تتكالب عليه الذئاب و الكواسر كنظامي طهران و دمشق اللذين يلعبان لعبة خبيثة و ذات أبعاد ستراتيجية طويلة المدى , فضعف الحكومة العراقية المفجع قد عبر عنه التصريح الأول لنائب وزير الداخلية العراقي (الخفاجي) الذي نفى قيام القوات الإيرانية باحتلال البئر النفطية, رغم أن من أعلن الخبر بعد يوم من الحادث هو الجانب الأميركي!! , ثم عاد واعترف الخفاجي بالتسلل الإيراني مقللا من شأنه ووصفه بكونه شيئا بسيطا, و طبعا المسألة واضحة و لا تحتاج إلى تعليل مقنع قد يبدد الحيرة فبكل بساطة وموضوعية و صراحة كاملة نقول بأن الألعاب الإيرانية الاستفزازية ما كانت لتتم بهذه الصورة الوضيعة لو لم يكن النظام الإيراني مطمئناً بالكامل لخطوطه الخلفية و لامتداداته السياسية و الطائفية في العراق , فوزارة أمنية و سيادية مهمة من طراز وزارة الداخلية العراقية هي تحت سيطرة غلمان إيران و حلفائها , كما أن المجلس النيابي العراقي و خصوصا لجنة الأمن و الدفاع فيه هو من ضمن ( الحصة الإيرانية المعروفة ), فالسيد النائب هادي العامري قائد قوات "فيلق بدر" هو نفسه رئيس لجنة الأمن و الدفاع في مجلس النواب? وهو ما يضيف للمهزلة السلطوية في العراق طعم الفكاهة و السخرية المرة , لذلك كان التأكيد الرسمي العراقي و الموقع على بياض للجانب الإيراني بأنه لن يتم اللجوء إلى أي خيارات غير ديبلوماسية في التعامل مع التحدي الاستفزازي الإيراني ? وهو ما يعني بلغة السياسة المباشرة تسليم جميع أوراق و خيارات التفاوض للعدو بالمجان و الاكتفاء بخيارات سخيفة يعرف الإيرانيون أنهم بعدها لن يواجهوا أي تحد حقيقي قد يجبرههم على إعادة التفكير فيما يفعلون من حماقات, كما أن مجلس الأمن الوطني العراقي الذي يضم قيادات و أحزاب الحكومة العراقية الحالية لا يختلف عن زميله مجلس النواب لا بالحجم و لا بالنوع, لأنه مجلس عقيم و سقيم لم يستطع أبدا إقرار و تثبيت الأمن في العراق و حفظ دماء المواطن العراقي العادي البسيط الذي بات اليوم سلعة انتخابية مهمة يتقاتل عليه القوم من أجل الفوز بولاية رئاسية و حكومية جديدة لنهب المزيد من الامتيازات و الجوائز التي لا تستحقها أبدا أي مجموعة سياسية في العراق, طبعا توارت الجيوش الطائفية العراقية التي كانت تبدع في قتل و جزر العراقيين أمام شرذمة قليلة من عناصر الحرس الثوري الإيراني القذرة , ولم نر بطولات "جيش المهدي", و لا عنتريات "فيلق بدر" الإيراني الولاء و الهوى و التأسيس ? كما لم نر ميليشيات وزارة الداخلية و لا فرق موتها و هي توزع قبورها على الأعداء و المحتلين ? بل أن كل ما رأيناه هو قليل من التصريحات التافهة التي تدعو لضبط النفس و التي لا تسمن أو تغني من جوع, حكومة نوري المالكي في أزمة نفسية و سياسية حقيقية اليوم فقطع الجسور مع الجانب الإيراني و القيام بأي إجراء لرد الكرامة الوطنية العراقية معناه الإضرار بالحليف الإيراني وهو ما سيؤدي إلى نتائج و تداعيات يخاف المالكي ورهطه من تأثيراتها في الصورة المستقبلية القريبة لطموحاته الرئاسية, فكرسي الحكم ذات سحر خاص لا يمكن التنازل عنه بسهولة و لو كان الثمن كرامة العراق و شعبه, فكل المسائل نسبية في عرف الطائفيين و زعامات آخر الزمان التي أسقطها على رؤوسنا الأخوة الأميركيون ( مد الله ظلهم الوارف ), و الذين لو انسحبوا بسرعة كما تريد الحكومة العراقية المجاهدة فإن الحرس الثوري الإيراني وقتها سيملأ الفراغ الأمني الكبير و ستقوم دولة الإمام المهدي في العراق.
لقد غرقت الحكومة العراقية في مستنقع الاختبار الجدي الأول , و أثبتت على الملأ بأنها مجرد ظاهرة صوتية , و الحكومة بكل أحزابها الطائفية "التعبانة" سنية كانت أم شيعية لا تملك من خيارات ستراتيجية لمواجهة الموقف سوى اللطم و اللطم الشامل الذي سيستمر لاسابيع مقبلة , فتلك البضاعة هي الشيء الوحيد الذي تبرع فيه حكومة العراق , طبعا من دون أن ننسى تشكيلات "فرق الزنجيل"? و كتائب "التطبير" و أفواجه التي ستحقق حلم العراقيين التاريخي في الانتقام من الدولة الأموية! و ستظل الخرافة سيدة الموقف فيما الإيرانيون يعززون مواقعهم و سيفرضون واقعا إقليميا جديدا سترتسم ملامحه النهائية فيما العراقيون مشغولون حتى الثمالة في اللطم.
إنها كارثة التخلف العراقية الشاملة التي تدور عجلتها في ظل مباركة الرئيس الحسين أوبام. مبروك للعراقيين بحزب "الدعوة" و حلفائه, فقد بلغوا الأمانة بكل ثقة واقتدار .
كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com