Porsche
إقرأ المزيد..
  • مجموعات تابعة لوهاب و"القومي" تقاتل...
  • دول "الخليجي" تدشن سلسلة الإجراءات ...
  • دمشق تضع ثلاثة شروط للإفراج عن 49 ض...
  • لافروف للأسد: أنتم تتحملون مسؤوليات...
الصفحة الرئيسية  أحمد غلوم بن علي
21/12/2009
الوجدانية من خصائص قيم النهضة الحسينية

وقفة تأمل
ان قوة القيمة في ان تكون حاضرة في وجدان المجتمعات اي ان تتسم بالعالمية
تتمايز القيمة في أهميتها وقيمتها ووزنها من شعب إلى آخر, فالقيمة في تجردها واحدة لكنها تشكل في بعض المجتمعات مفارقة مصيرية فتكون حاضرة فيها ومترسخة في كيانها, وفي مجتمعات أخرى لا تعدو ان تكون أكثر من بعدها النظري, بل حتى هذا البعد يتم تحصيل دلالاته من تلك المجتمعات, وهو ما نجده جليا في قيم الحداثة بالنسبة إلى الشعوب العربية.
إن الأحداث الكبرى والملاحم والثورات هي التي تعطي للقيم معنى ووزنا وقيمة, فالقيم الساكنة والمجردة لن تفهمها المجتمعات أو تؤمن بها وتدخل كجزء من هويتها إن لم تتحرك عبر تضحيات ونضالات ضخمة وطويلة, فالدستور الفرنسي الذي دشن مرحلة جديدة في التاريخ الأوروبي في القرن التاسع عشر كان نتيجة ثورة سياسية اجتماعية, وصحيفة المدينة التي حملت قيما لم يكن لها وجود أو معنى في القاموس الجاهلي جاءت تتويجا لتاريخ من الثورات والتضحيات.
لكن ما معنى أن تكون لتلك القيم معنى وقيمة ووزنا? تعني أن تكون لها وجدانية, أي تكون حاضرة في وجدان المجتمع, فقيمة القيمة تنمو كلما توسعت في نفوس وعقول البشر, وكثيرة القيم التي تطورت بتطور وتوسع الإحساس الإنساني بها, فالقيمة الجمالية كمفهوم تطورت لتتحول إلى نظريات قائمة "الإطيقا الجمالية" في أوروبا عندما ازدهر فيها الأدب والفن الغربيان, أي عندما انتشر هذا الحس والتذوق لدى الشعوب الأوروبية فأصبحت للقيمة وجدانية في النفوس والعقول.
إذا لا يعني ذلك أن الوجدانية خصيصة متلازمة للقيمة, بعبارة أخرى, القيم ليست وجدانية بصفتها المجردة وإنما هي كذلك بفعل عوامل, فالأصل في القيم عدم الوجدانية, فهناك قيم متعددة لا وجدانية لها عند المجتمعات, إما بسبب أنها قيم خاصة لمجتمعات دون أخرى كقيمة العنصرية لدى النازيين, وإما لأن عوامل استحضار هذه القيم لم تتوفر كي تكون في الوجدان المجتمعي.
هذه العوامل توفرت في قيم نهضة كربلاء, أي العوامل التي جعلت من قيم تلك النهضة قيمة وجدانية متواجدة باستمرار في الضمائر والمشاعر والأفكار, ولعل سمة الخلود أو استمرارها لأربعة عشر قرنا دليلاً على وجدانيتها, ذلك لأنه توجد حاجة دائما للرجوع إليها وهذا ما أعطاها هذه السمة ( الخلود).
وهذه العوامل على قسمين, ذاتية وخارجية, فالعامل الذاتي هو الحدث نفسه الذي أعطى للقيم وجدانية, وهي عادة ما يكون لها حيز وإطار زمكانيان (الزمان والمكان) وتكون وسيلتها الحس, فالثورة الحسينية لا شك أنها كانت ملحمة لها أبعاد متعددة وأولى تلك الأبعاد البعد القيمي الذي غذى القيم بالمعنى والوجدان في البشرية, لكن الثورة نفسها (ونؤكد أنها هنا ثورة وليست نهضة) كانت مرتبطة بالزمان الأموي والمكان دولة بني أمية, والتأثير كان تأثيرا حسيا أي الذين شاهدوا وسمعوا وأحسوا بتلك الثورة مباشرة وفي الزمكان, نفسه لهذا كان يفترض برحيل بني أمية على طبول "يا لثارات الحسين "العباسية" أن تنتهي تلك القيم بانتهاء المانع الأموي, لكن لماذا استمرت وجدانية القيم الحسينية في نفوس المجتمعات?
هنا يأتي دور العامل الخارجي, وهو عامل مطلق غير محدد الزمان والمكان وهو ليس عبر وسيلة الحس وإنما الحدس أي الرأي, الفكرة, النظرية والمشروع, وهو ما تولى أهل البيت (عليهم السلام) القيام به, وهو إخراج الثورة الحسينية من حيزها الزمكاني, أي تحويل الثورة إلى نهضة وهو في الواقع ليس تحويلا وإنما تفعيلا.
فلم تقتصر أدوار ومهمات أهل البيت (عليهم السلام) على التأكيد المتواصل بأهمية تلك القيم فقط وإنما مارسوا أدوارا في ترشيد مسار تلك القيم في النفوس والعقول, ويمكن ايجاز هذه الأدوار التي مارسوها, أولا, تنقية النهضة من الشوائب والتحريفات التي سعى إليها بنو أمية وبنو العباس, وخير مثال على ذلك عندما أنشد أبو الرميح الخزاعي أبياتا أمام فاطمة بنت الحسين عليها السلام ومنها البيت التالي: "وإن قتيل الطف من آل هاشم, أذل رقابا من قريش فذلت", فاستنكرت عليه ذلك فاطمة وصححت له : "أذلت رقاب المسلمين فذلت", أي أخرجت النهضة الحسينية من الحالة والشائبة القبلية.
أيضا سعى أهل البيت (عليهم السلام) إلى إبقائها حية في الضمائر والمشاعر عبر جملة من الممارسات, وقد أبدع المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين في تعداد هذه الممارسات في كتابه "واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي" وعددها على أنها, التأكيد على زيارة الامام الحسين (عليه السلام), وعلى الشعر الرثاء لكربلاء وأخيرا التأكيد على إقامة المآتم الحسينية.
إن القابلية التي كانت تحملها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي التي أهلت قيمها أن تكون وجدانية, وأولى عناصر تلك القابلية ارتباط النهضة بالدين من جانبين, من جانب المعنى أي محتوى ومضمون الثورة أي أنها ضد التحريف بالدين (ضد الاستبداد الديني), ومن جانب الشرعية المستمدة من أحقية أبيه بالخلافة (ضد الاستبداد السياسي), العنصر الثاني أنها ثورة واضحة المعالم والأهداف في مقابل سلطة واضحة المعالم والأهداف, وهذه الثنائية (الحق والباطل) تعطي وضوحا يميز النهضة عن غيرها, وأخيرا طبيعة حجم الفاجعة وتراجيديتها.
إن قوة القيمة في أنها تكون متواجدة وحاضرة في وجدان المجتمعات, ونعني بالمجتمعات وليس مجتمعاً واحداً أي أنها تتسم بالاطلاقية والعالمية وليس بالخصوصية والتقييد كقيم الفاشيين والنازيين, وهذا التواجد للقيم الحسينية كان نتاج الثورة من جانب لكنها كانت بشكل أكبر نتاج دور أهل البيت (عليهم السلام) من جانب آخر.
كاتب كويتي
tahmasbi@hotmail.com

ملاحظة: إن الآراء المذكورة في التعليقات تعبر عن وجهة نظر أصحابها فقط ولا تعكس بالضرورة رأي صحيفة "السياسة"
الاسم*
عنوان التعليق*
التعليق*