من وحي الناس
العقول النيرات بحاجة إلى تربة جيدة ووسط تتنفس فيه لتساهم في تقدم الوطن
في خطوة الانسان الكبرى على الارض والفضاء, اصبح الفرد لا يقف وحيدا ضائعا في طرقات العالم, ولكنه يتحرك, ويتعامل مع اناس يماثلونه في التفكير والرؤية, ويملأ الفراغ بالدور الحيوي الذي يؤديه من خلال التجمعات, والهيئات, والتنظيمات, والجمعيات وهي التي تتحرك به هذه الحركة البعيدة والمؤثرة في الناس, ويتصاهر معهم, ويتحاور يتفق ويختلف, لذا يمكن التأكيد ان حرية اي فرد في الانضمام الى جماعة تبادله الموقف نفسه وكذلك الاتجاه والتفكير لاداء عمل مشترك ركن اساسي, ومنهج بديهي, حيث يغدو الانسان بالعمل, والفعل, والتفاعل, وبنعمة الحرية, والديمقراطية يمنح ويتغذى ويعطي ويؤثر في مجتمعه, ومحيطه بنضال جامح وفاعل لممارسته انسانيته.
والقول الذي يهمنا من الرغبة والعشق للحرية, إنه كلما قل تدخل السلطة في فكر الانسان وابداعه وانتاجه ورغبته في ان يحيا لذة الاكتشاف, ودهشة الابتكار والعلو في الرغبات الانسانية, كانت اقامته قصيرة في طريق الكآبة, والقهر, والغربة والتخلف, والتبدد, والضياع.
لذلك فإن حق الافراد ذكور واناث, والهيئات, والتنظيمات في الاعتقاد والتفكير والسلوك الحر هو الفيض الذي يجعل الانسان يشهد فجر القوة, والقدرة, والكد والابداع وينتصب على درجات التاريخ, مادام ان ذلك الحق لا يقصد منه تقويض القانون او وقف اي صلات اجتماعية عامة, او التدخل في حريات واعتقادات الاخرين.
من هنا, نرى ان سلب حقوق المرأة, والمحاولات المستميتة لاعادتها الى عصر الجواري والحريم, وعزلها عن الحياة والمجتمع, والثرثرة الاصولية الظلامية بدونيتها ومنعها من الاختلاط في الجامعة واستبطان قمعها, وحجب حقها الدستوري في الجامعات المختلطة او في الثياب, يفضح في هذه القوى دمار عقولهم, وجهلهم, وفراغهم وخواءهم السحيق حق في النص القرآني الكريم الذي يقرر المسؤولية الانسانية للمرأة "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" (النحل 97). فالمرأة في الخطاب الاسلامي لم يكن الرجل بأفضل منها فهي مكلفة مثله, ومخاطبة بأمر الله ونهيه مثابة وعقابا, كما يثاب ويعاقب.
والمرارة الاخرى التي تتسرب الى النفس كالألم الصعب هي ما يعانيه الفكر المستنير وشباب الفكر الليبرالي من اقصاء, وتهميش, وعداء غير مبرر من السلطة, فالعقول النيرات دائما بحاجة الى تربة جيدة ووسط من الحرية تتنفس فيه, فهذا العداء غير المبرر من السلطة للقوى الليبرالية, والذي امتد على مدى بداية التجربة الديمقراطية في الكويت عام 1962 وحتى يومنا هذا, هو خطأ فادح يدفع ثمنه الناس والمجتمع والوطن, وترتكبه السلطة بكمية هائلة من السذاجة لانها تتحالف مع اعدائها الحقيقيين من قوى التخلف والقبلية والشعوذة والعنف والارهاب, حتى اصبح الوطن ساحة مليئة بالجيف, والمحرمات, والممنوعات, والحجر على العقول, والمشاعر ومصادرة الفكر والرأي, ولا ادل على ذلك من غياب "نادي الاستقلال" الذي كثيرا ما كنا نختلف معه, ولكن مازلنا نتذكر دوره الاصيل في دفاعه عن حقوق الناس, وهموم الشعب والوطن, فماذا بعد ان قال الشعب كلمته, وطوق مواقد النيران, والعسس المبرقع باللغة الرخوة اللزجة التي تجدف ضد النور, والحركة, والنهوض, والحرية.
من هنا نقول إن حق المرأة في اختيار الثياب ولبس الحجاب, وشريك الحياة, والتنقل, والاختلاط يجب ان يصان لانه قبل كل شيء حق انساني, ودستوري لا تبرر سلبه اي شهوة ذئبية او طحالب تحيا على الظلام, وبؤس العقل, وتخشى توهج الشمس والنهار.
كذلك حق "نادي الاستقلال" وغيره من النوادي المقبلة مع لغة العصر, وثقافة الحرية ومعرفة الديمقراطية الحقة في ممارسة دورها التثقيفي والسياسي ممتزجا هذا الحضور بالايقاع الذي يتدفق مع مطالب المجتمع, والناس التي تعشق الحرية ومجد وطنها ونهوضه والدفاع عن مصالحه, وكشف مواطن الخلل فيه, ووضع الحلول لها.
ولتتذكر السلطة ان الاشخاص زائلون, وان الافكار متطورة ومتغيرة, وليست هناك حقائق مطلقة, ولا تبقى الا صرخة الضمير, ورأي يسطع في اعوجاج المسير وحاجة الشعب الى منقذين في ظروف كظروفنا الحالية هو الدعامة الحقيقية للنهوض من آلامنا ومشكلاتنا الى سعادتنا الانسانية الكبرى.
* كاتب كويتي