حوارات
نتمنى أن تخف في بيئتنا المحلية حدة المجاملات التي تنافي المنطق لأنها تطغى على حياتنا
تسود في بعض المجتمعات التقليدية بعض العادات السلبية والتي هي تعيق التطوّر الإنساني بشكل أو بآخر ومنها: المحسوبية والمحاباة والتحيّز والتمييز في المعاملة والتحامل على فرد أو مجموعات عرقية أو ثقافية معينة... وهي تعوّق تطوّر الإنسان وربّما أخفّها هي ظاهرة شيوع "المجاملات غير الضرورية" والزائدة عن الحد خلال الحياة اليومية! لا نعني هنا بالطبع" الكياسة المعتدلة واللطف السوي" ولكن نشير إلى ذلك النوع من المجاملات المُتضخّمة والتي يفرضها الآخرون على البعض ومن دون داع إذا شئتم اذ ينتج عنها "التزامات وتعهّدات" فردية أو اجتماعية تعطّل مسيرة الحياة الإنسانية العقلانية وتعيق تطورها, بل وتؤدي إلى هضم حقوق الآخرين وتشتت جهودهم.
في المجتمع المتمدّن والحضاري والقابل للتطور ومواكبة العصر تكاد تختفي المجاملات المصطنعة في الحياة العامة والخاصة. بسبب ترسُّخ الفردية وشعور الإنسان بالاستقلالية وبسبب شعوره كذلك بامتلاكه لوقته وبمسؤوليته تجاه نفسه وتجاه كل ما يدور في حياته اليومية وعدم حاجته أيضاً الى تقييد نفسه ورهن حاضره ومستقبله طوعاً بالتزامات وتعهدات لا عقلانية تتعارض مع مصالحه الخاصة والأسرية, يتحاشى العقلاء توريط أنفسهم بمجاملات تنتهك حقوقهم الطبيعية, بل انّ الخضوع للمجاملات المفبركة يُعقّد الحياة اليومية في المجتمع ويزيد "الاتكالية", بل ويقلل من أهمية "العمل الجاد" والاستثمار الأمثل للوقت الثمين, بل ويساهم في خلق مجتمع لا يواكب التطورات العصرية.
في سياقنا الكويتي وكما يحدث في مجتمعات شرق أوسطية أخرى يتم بعض الأحيان استخدام المجاملات الزائدة عن الحد أثناء نشاطات مختلفة في الحياة اليومية. ولقد نتج عن هذا الأمر رواج الاتكالية والتأخير والتأجيل والمراوحة وتعقّد الحياة اليومية لدى البعض عبر سماحهم لبعض الأفراد انتهاك وقتهم الخاص ومن دون داع فقط لأنّ بعضنا لا يزال يعتقد أنه ملزم بتلبية المصالح الشخصانية للآخرين! إضافة إلى ذلك, المجاملات السلبية نوع آخر من "الذوق المصطنع" الذي لا يجب أن يخضع له العقلاء والرزينون في عالمنا المعاصر لأنه سيحرمهم من عيش حياة إنسانية ناجحة! فالإنسان الحر فعلاً هو من يتحرر من مجاملات خزعبلاتية تتعارض بشكل واضح مع مسؤولياته وحقوقه الفردية والأسرية والاجتماعية والوظيفية.
نتمنى بالطبع أن تخف في بيئتنا المحلية حدة المجاملات التي تنافي المنطق لأنّها يبدو بدأت تطغى على حياتنا اليومية وتمنع كثيراً من الأفراد من استغلال إمكانياتهم الشخصية وقدراتهم وإنجازاتهم من أجل تحقيق منفعتهم الشخصية والأسرية الخاصة والمشروعة. فلا نعتقد في هذا السياق أنّ الإنسان المعتدل والعقلاني سيتبرع بمعظم وقته من أجل عيون الآخرين ومن دون الحاجة إلى ذلك أو أنّه سيحرص كثيراً على طاعة مجاملات مفبركة يعرف تماماً وفي قرار نفسه أنّها تحاملية لا تستحق الإيفاء لأنها تفتقد المشروعية الأخلاقية وتتناقض تماماً مع أبسط متطلبات الحياة الناجحة! أخيراً, نتمنى أن ينتفض بعض الحليمين واللطفاء والمُهذبين ويتحرروا من استسلامهم الطوعي لمواقف مجاملات مُصطنعة يفرضها عليهم اخرون اتكاليون وليعتنقوا من الآن فصاعداً شعار: " لا مجاملات بعد اليوم" ما دامت هذه الأخيرة ستستمر تخلق التزامات لا مشروعة وتُرسّخ الكسل وتضيع الوقت وتنتهك خصوصيات الأفراد.
* كاتب كويتي
khaledaljenfawi@yahoo.com