مصلحة الكويت وحريتها وتسامحها أكبر من كل القوى والتيارات المتصارعة التي ستتلاشى جميعها
ثمة أمور تجري في عالمنا العربي السعيد بأحزانه وتخلفه التاريخي والجيني لا تثير القلق والتوجس فقط, بل تثير كل نوازع الهموم والشجون والأسئلة المشروعة وغير المشروعة, كما انها تثير أكثر من مليون علامة استفهام بشأن الطريق الذي تمشي اليه الأمة العربية حتف انفها وهي تعيش متغيرات الالفية الكونية الثالثة بينما العالم يدخل عصر الحريات والتطورات العلمية والفكرية المذهلة التي تتسارع لسحب البشرية نحو الأمام بينما عالمنا العربي والاسلامي يزحف مسرعا على طريقة للوراء در نحو آفاق القرن السابع الميلادي, وحيث الليل والخيل والبيداء...!
فبعد النجاح السياسي والاعلامي والتنظيمي الكبير الذي حققته دولة الكويت عبر تنظيمها واعدادها للقمة الخليجية الثلاثين لمجلس "التعاون" الخليجي حيث تمكنت الكفاءات الوطنية الكويتية في مجالات الديبلوماسية والاعلام والسياسة والتسويق من تحقيق اختراقات متميزة اثارت اعجاب الحاسدين قبل المعجبين والكارهين قبل المحبين وبعد تلك الجهود الجبارة التي كانت حصيلة اعداد وسهر وخبرات وتجارب طويلة, جاءت الضربة العكسية باسرع مما يتصوره اشد الحانقين على السياسة الكويتية التي تناصبها الكثير من الدوائر الاقليمية والدولية العداء الواضح والصريح وذلك من خلال ما تم من فضيحة في مطار الكويت عبر منع الأكاديمي المصري المعروف في الدوائر الدولية الدكتور نصر حامد أبوزيد من دخول الكويت للمشاركة في حلقة حوار لاحد المراكز الاكاديمية المتخصصة, والعجيب انه كان يمكن محاصرة الموضوع منذ البداية وحصر اضراره وتفرعاته ونتائجه التي ستظهر تباعا من دون شك من خلال عدم اصدار تأشيرة الدخول لابي زيد واعتباره شخصا غير مرغوب فيه في الدولة, وهو حق سيادي لاي دولة بموجب القوانين الدولية والسيادية المعروفة, ولكن ان تصدر دولة تأشيرة وتصرف له تذكرة طائرة ثم يفاجأ وهو على الابواب بقرار المنع! فذلك تصرف لا ينم عن حصافة بقدر ما ينم عن أشياء وصفات اخرى لا أود ذكرها او وصفها ولكن نتائجها ستشوه لا محالة وجه الكويت الانفتاحي والحضاري المعروف عبر العصور.
الكويت لم تكن لتكون كويتا أو لتبقى ككويت حرة وأصيلة وخالدة الا من خلال تمسكها بقيم الحرية المسؤولة, وبتسامحها, وبعطاء ابنائها الفكري والحضاري والعلمي وبسمة التسامج التي تربط بين الحاكم والمحكوم, لسنا قضاة او فقهاء او اهل فتاوى لنقرر مدى ايمان الدكتور ابوزيد, ولسنا محاكم تفتيش عن الفكر والقلوب والضمائر بقدر ما نبحث عن تعزيز اطر وفرص الحوار ومناقشة الحجة بالحجة والدفاع عن الرأي والعقيدة بالتي هي احسن, بطريقة حضارية تجعل العالم يصفق لنا ويحترمنا ولا يعتبرنا مجرد وعاء من اوعية التطرف والتعصب وتكفير الآخر والدعوة لفنائه, فلسنا وحدنا في هذا العالم الذي يراقب كل شاردة وواردة, فقد تغير الكون وما كان مقبولا في الماضي القريب لم يعد مقبولا اليوم, لقد اكتسبت الكويت مجال الريادة الحضارية في المنطقة لانها كانت السباقة لاحتضان كل ما هو حضاري وجديد ويساهم في رفعة الأمة وتقدمها, كما ان القانون يطبق على الجميع من الحاكم حتى المحكوم , والتصرف بطريقة عشوائية وغير سليمة ولا حضارية كان هو ابعد الامور عن تصرفات الادارة الكويتية التي تعيش اليوم ايامها السيئة على ما يبدو في ظل تصاعد الصراعات والمناكفات الداخلية وحملات الشد والجذب والتسقيط بين الاطراف المتنازعة, اضافة الى محاولة الكثير من التيارات الفكرية والدينية تجاوز هيبة الدولة وتنصيب نفسها وصية على المجتمع ومعنية بامور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتستغل سعة صدور اولياء الامر في الكويت الذين ينظرون الى الامور بمسؤولية وطنية كبرى ومسؤولة وبحرص شديد بما يجنب البلاد اي هزات غير مسؤولة في وقت تتعاظم فيه خيوط التآمر على الكويت من اطراف عدة لا نود تسميتها ولكنها معروفة بالاسم والعنوان واللبيب من الاشارة يفهم, فكان يمكن للتيارات المتشددة, ان كانت فعلا تمتلك القدرة الفكرية والمعلوماتية وامكانات مقارعة الحجة بالحجة, ان تستثمر زيارة الدكتور نصر حامد ابو زيد للكويت لمناقشته بشكل مباشر وتسفيه طروحاته وتفنيدها علنا أمام الرأي العام, مما يعطي لحرية التعبير والبحث والقول مكسبا ومغنما كبيرا يكون في البداية والنهاية في خدمة الكويت الحرة التي كانت أبد الدهر ملاذ الاحرار في كل مكان, ولكن للأسف تم اللجوء الى الخيار الاضعف والاسهل ولكنه المكلف اعلاميا وهو التصرف عبر العقلية الامنية التي لا تعرف انصاف الحلول ولا تقيم وزنا للحوار, الكويت لا تستحق كل هذه التصرفات غير المسؤولة في وقت تسابق قيادتها المسؤولة والمنفتحة الزمن فيه لتعويض اخفاقات ومعاناة سنوات الصراعات الاقليمية السوداء المنصرمة, والكويت تحت ظل القيادة الأمنية والواعية لصاحب السمو الأمير صباح الأحمد هي أكبر بكثير من ان تصبح تحت رحمة الابتزاز الظالم من اي جهة او تيار, فمصلحة الكويت وحريتها وتسامحها أكبر من كل القوى والتيارات المتصارعة التي ستتلاشى جميعها ذات يوم فيما ستظل الكويت في الذاكرة التاريخية عنوانا لكل ابداع, بصراحة , الكويت تقف اليوم امام مفترق طرق حساس وفاصل والاضواء الحمراء باتت تشع من كل الاتجاهات فالى اين تسير الكويت?
*كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com