[CAPTION]
هل تستطيع الحكومة اللبنانية المقبلة التخلص من تراث الطوائف ولو بشكل تدريجي?
انه فصل الانتخابات والاقتراعات في أكثر من منطقة ودولة من دول العالم,البارحة اقترع الأوروبيون من أجل برلمانهم المشترك, لم يكن الاقبال شديداً ومثل عزوفاً ويأسا من الموجود , وجاءت النتائج مخيبة لكل أطراف اليسار من اشتراكيين وديمقراطيين وشيوعيين, بينما اكتسح اليمين مقاعد البرلمان, وشاركه في نصر حاسم ينبئ بمستقبل كبير لأصحاب البيئة " الخضر" والذين يولون العالم والأرض ومن فوق ظهرها الأولوية الكبرى, حقهم في الحياة الكريمة والزراعة والصناعة البعيدة من تلويث البيئة وحماية الإنسان والتلوث البيئي وصيانته من الخراب والتدمير بصناعات تؤذي أكثر مما تُحَدِّث , حصل اليمين عموماً ومن دون ان ندخل في التفاصيل لكل بلد, على أرقام لم تحصل عليها الأحزاب الممثلة لها في بلدان عدة, كما هي الحال في فرنسا, فللمرة الأولى ومنذ عام 1979 لم يحصل حزب السلطة الحاكمة على نسبة من المقاعد تساوي ( 28 في المئة تقريبا), بينما تقلص دور الحزب الاشتراكي ليحصل على نسبة »16.4 في المئة« وبهذا يتعادل تقريبا مع »الايكولوجيست« أي حزب الخضر الذي انتزع ما نسبته 16.2 في المئة , ولم تكن حال أحزاب اليسار في الدول الأوروبية الأهم والأكبر أحسن منها في فرنسا, فقد اندحر حزب العمال إلى الدرجة الثالثة وينذر هذا التراجع بإقالة حكومة السيد غوردون براون , وترتفع الكثير من أصوات النقد داخل وخارج حزبه, ناهيك عن الاستقالات في صفوف حكومته, وكلها يغمز من قدرته على الاستمرار على رأس الحكومة وهي بهذا الضعف! حيث أن تردي النسبة التي حصل عليها حزب العمال كانت مخيبة , ولم تتجاوز ال¯ 15 في المئة, بينما حصل المحافظون على 29 في المئة ,بالاضافة إلى أنها أفسحت في المجال لحصول اليمين المتطرف على مقعدين!, وفي اسبانيا رغم أن الحزب الاشتراكي على رأس الحكومة قد خسر دوره بينما ربح حزب "ماريانو " (حزب الشعب) ما نسبته 43 في المئة والاشتراكيون ما نسبته 38 في المئة , وفي ايطاليا انتصر حزب الرئيس برلسكوني بنسبة 34.7 في المئة, رغم ما ترافق مع الانتخابات من فضائح شخصية طالت رئيس الحكومة نفسه, لكن يبدو ان المواطن الايطالي لايعيرها أي اهتمام, وينصب اهتمامه على حياته ومعاشه ووضعه الاقتصادي وموقفه الوطني من القضايا الملحة والتي يرى فيها خطورة على بلده, بينما حصل الديمقراطيون على نسبة 26.3 في المئة ...ولم تختلف هذه النسب كثيرا عن باقي الدول السبع والعشرين جميعاً نتساءل لماذا?
لقد اقترعت الشعوب الاوروبية مولية اهتمامها للوضع الداخلي, وما تمارسه ومارسته الحكومة القائمة وما يأمل منها المواطن, أي أن الاقتراع لم يذهب بعيدا وتتسع دائرته لمصلحة أوروبا ككل , بل الجزء من الكل, وأبرز أنواع الخسارات تعلقت بأحزاب كانت تشكل أكثرية وتؤثر في قرارات أوروبا وفي القوانين التي سنها البرلمان الأوروبي, كالأحزاب الاشتراكية الاجتماعية أو الديمقراطية, وذلك نتيجة لمعاناتها داخلياً وتعرضها لهزات وخلافات جعلت الهم الوطني يأتي لاحقاً, وقد جاء هذا واضحاً وصريحاً على لسان رئيسة الحزب الاشتراكي الفرنسي السيدة مارتين أوبريه, حين حملت نفسها مسؤولية فشل حزبها, وأنها ستحاول مستقبلا تلافي العجز من خلال العمل على تقوية الحزب ومن خلال البرنامج الذي سيطرح ويقرأ الواقع وما يريده المواطن الفرنسي, ثم ما جاء كذلك على لسان الوزيرالاشتراكي السابق جاك لانغ حين اعتبر" أن فشل الاشتراكيين يعود لكونه ثمرة مرة لنضال الاقطاعيات والقبائل ولأنه ابتعد من العقل والتصور والابداع وفصل بين الخطاب الرسمي والواقع العملي الحقيقي للبلاد" »صحيفة الفيغارو«.
لكن نجاح اليمين يعني الكثير, ويدل قبل كل شيء على أن الأزمة المالية العالمية لم تجعل اليسار يكسب ويزاحم اليمين على قيادة الاقتصاد في أوروبا ولم تفقد المواطن ثقته بأن اليمين هو القادر على انقاذ البلاد من الأزمة!, والنقطة الأهم والأوضح هي أن الكثير من أبناء البلد يعتبر أن الهجرة غير الشرعية وتزايد أعداد القادمين من دول الجنوب الفقير هي أحد أسباب المعضلة الاقتصادية , وارتفاع نسبة البطالة, وانخفاض القدرة الشرائية يعزوها الكثيرون لأعداد المهاجرين في البلاد! وهذا ماينذر بتشدد القوانين المقبلة ببرلمان يسيطر عليه اليمين وتصل أعداد مقاعده إلى 267 مقعداً.
كل ما نستطيع قوله أن الانتخابات كانت من دون أدنى شك ديمقراطية, وعلينا أن نتعامل مع المقبل بالقدرة على استيعاب السياسة الداخلية للدول الأوروبية والخارجية التي تعنينا وتعني علاقات بلداننا معها, بلداننا التي لا تعرف من الانتخابات غير الصورة أو ما يسمى بالاستفتاء على سلطة وحيدة, أو نتبع الشكل الصوري فتجرى انتخابات يتنافس فيها حزب سلطة مع أحزاب ترضى عنها السلطة وتُستبعد أحزاب لا تدخل في خانة الرضى والقبول, ونقول بعدها أننا انتخبنا بشكل ديمقراطي.
¯¯ لكن وكي لا نغفل أو ننكر بعض الحقائق ومانراه حتى الآن في ما يتعلق بالانتخابات المحلية المزمع اجراؤها قريبا في المغرب, فنجد أن التنافس على أشده ويتم بحرية معقوله بين أحزاب قائمة ولها حرية الحركة والاعلان والنشاط.
لكن أهم انتخابات والتي لانستطيع أن نغفلها على الاطلاق, هي انتخابات لبنان, فقد آليت الترقب والانتظار مبتعدة من الدخول في معمعة الانتخابات والحديث عنها قبل اجرائها, , لكني كنت أرقب بخوف وتأخذني الخشية بين خبر وآخر و»عنترية« وأخرى وتهديد من هنا وآخر من هناك, خوفي كان على لبنان بكل تأكيد, خوفي كان على هذه البقعة التي مازالت تحمل بعض الأمل والألق, والتي حملت الكثير من الآلام والجراح, كنت أخشى أن تنسى جراحها, كنت أخشى أن تضيع في متاهة الاصطفافات وعمليات الشد والجذب, فتقوى عليها أيدي استخدمت القوة أكثر من مرة كي تأخذ لبنان بعيدا من صورته الديمقراطية, صورة التعايش السلمي بغض النظر عن الطوائف , لكنه التعايش تحت سقف لبنان, خفت أن ينسى المواطن أنه لبناني قبل ايراني ولبناني قبل سوري , ولبناني قبل مسيحي ومسلم وشيعي, كنت أريده أن يستعيد توازنه فلا يدوخ ويفقد قدرته على الرؤية, لكنه انتصر على جراح الاغتيالات واحتلال وسط بيروت, وانتصر على ماخلفته حرب يوليو عام 2006 وفهم لعبة السياسة المناطقية, واختار, ونحن نحترم اختياره, مهما حاول البعض الدس والشك ووضع العصا في دواليب سيارة الاختيار وتأليب القلوب والعقول.
مع هذا صدرت أصوات التهديد: تريد الثلث الضامن, وعدم المساس بسلاح »حزب الله« إن خسرت المعارضة أم ربحت ! جاء هذا على لسان النائب محمد رعد.
لا أحبذ الدخول في عمليات الثامن أو »الرابع عشر«...ولا يعنيني هذا بشي, ما يعنيني هو أن تقوم حكومة تناسب رغبة الاختيار, توازن لبنان وتستطيع أن تضع حداً لكل شطط وتهاون في وحدة لبنان وقوته, أن تدعم جيشه وتدعم حكومته الوطنية الديمقراطية, وأن ينضوي أي سلاح ميليشاوي ¯¯ بغض النظر عن انتمائه الطائفي ¯¯ تحت قيادة وسيادة الجيش اللبناني, و نأمل من الحكومة المقبلة, أن تكون عناصرها أكثر وعيا وتتعلم دروسا من الماضي المريض, فتعمل على إحداث قوانين تعني بالسياسة والثقافة والانتماء الوطني بعيدا من المحاصصات الطائفية ومستقلة بسيادة فعلية عن التأثر بكل إملاء خارجي, ومن يدري لو تم هذا واستطاعت هذه الحكومة أن تتخلص من تراث الطوائف ولو بشكل تدريجي, فربما تنهي وللأبد السياسة الطائفية في لبنان وتصبح المواطنة اللبنانية هي السيد.
كيف لنا أن ننسى انتخابات الكويت, وما حصلت عليه المرأة من نصر كبير, وكيف دارت عملية الاقتراع بحرية وديمقراطية نموذجية, هذا يبعث فينا بعض الأمل. إن الخير لابد قادم وسننتهي من عمليات الاستفتاء ونمارس حقنا الانساني ككل بلدان المعمورة بالاختيار في أن نقول نعم أولا ...في أن نفضل هذا على ذاك...سيشق النور الفضاء, وينبثق الفجر مهما طالت العتمة.
* كاتبة سورية- باريس
fozmon@yahoo.fr