لاشك ان تداعيات أزمة النظام الرأسمالي تجعل اميركا في حالة قلق من تطور الديون الأوروبية في منطقة اليورو, ومن زيادة انفاق مساهماتها بميزانية حلف شمال الاطلسي بخاصة في حال تخفيض الولايات المتحدة مساهمتها بتلك الميزانية, لهذا نرى ترجمة هذا القلق الأميركي حين رمت بكامل ثقلها في شرق آسيا, وعقدت اتفاقيات اقتصادية, واستثمارية من خلال منظمة هذه البلدان, وعلى ضوء خطاب الرئيس أوباما الأخير في البنتاغون حدد الاولوية الاقتصادية فيه لدول شرق اسيا, وهذا ما يعتبره المحللون تغييرا في التوجه الستراتيجي الذي اعتمدته الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة, وأن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تملك لا الوسائل, ولا الرغبة في مواصلة تحمل عبء كبير من مسؤولية الأمن الأوروبي, فالعجز المالي الاميركي بات نحو 100 في المئة من اجمالي ناتج الدخل القومي, لهذا نرى في الاونة الأخيرة تناميا واتساعا للحركات الاجتماعية المناهضة لاستئثار قلة من الرأسماليين بثروات البلاد, والمطالبة بتحقيق العدل, والمساواة, فالعلة الحقيقية هي لا أوروبا وهي تواجه ازمة يورو ولا أميركا وهي تواجه ازمة مالية فقط, بل انها تواجه ازمة النظام الرأسمالي وما فيه من علل قاتلة, لهذا فان المخاوف الحقيقية والخطيرة هي ان تبدأ هذه الدول جولة جديدة من الحروب الاستعمارية كما هي الحال في الحرب العالمية الثانية في ثلاثينيات القرن الماضي, والتي تحولت فيها بعض الدول الأوروبية الى ديكتاتوريات في المانيا, وايطاليا, واسبانيا , ورومانيا والمجر, والبرتغال واليونان, فدارت مطامع هذه الدول وتحولت الى حرب هي الاكثر دموية في تاريخ البشرية, فالنظام الرأسمالي بطبيعته , وتفاقم ازماته المالية يقود الى انفجارات زلزالية, من هنا يمكن القول ان الازمة التي يمر بها النظام الرأسمالي ليست مالية وحسب, ولا تجارية , ولا اجتماعية , بل هي أزمة سياسية خطرة تهدد وجود الاتحاد الاوروبي باكمله, ودول رأس مالية بأكملها. فما تشهده الدول الأوروبية من اضطرابات كاليونان, وايطاليا, واسبانيا , وهي تمثل عبئا ثقيلا على الاتحاد الاوروبي, بل وصل الامر الى مطالبات بعض الدول بطرد تلك الدول من الاتحاد الاوروبي والتي اصبحت تنعت بالدول الفاشلة, فهناك مخاوف من انفراط الكيان الأوروبي اضافة الى دعوات لاحداث تغييرات في اوضاع هذا الكيان, ولكن الاهم يبقى ان التغيير الستراتيجي الاميركي من أوروبا الى اسيا يطرح تساؤلات حول علاقة الدول الرأسمالية والتي بقيت لعقود حتى بعد الحرب الباردة في تحالف يقوم على قيادة اميركية وتبعية اوروبية, وفي السنوات التي ترأس فيها اوباما الولايات المتحدة بدأت أوروبا تشهد تململا من موقفها التبعي للولايات المتحدة , وبدأ الاتحاد الاوروبي يعلن في كثير من الاحيان تجاه احداث, وازمات مواقف اقرب الى الاستقلال, والابتعاد عن المواقف الاميركي في اكثر من قضية كما هو حادث من مشكلات الشرق الاوسط ثم الحرب في ليبيا سجلت سابقة حيث وضعت الدور الأميركي في مشاركة , وليس في مبادرة مع الدور الفرنسي - البريطاني الذي وظف موضوع حماية المدنيين الى مظلة مغانم نفطية, ونزعة استئثارية ليست بعيدة عن تغير اولويات الستراتيجية الأميركية.
ومن هذه الازمة تأتي الاحداث, والتطورات, وهي مفتوحة على كارثية الهروب الى الامام وبأساليب وسياسة استعمارية مكشوفة وهنا مكمن الخطورة على الوضع الدولي بعامة.
ان حفلة النحيب ليست خاتمة المطاف, فالتاريخ يدخل احيانا فصلا دراميا تختلط فيه الاوراق والادوار, فهذه النوبة من النحيب قد يعقبها الطوفان.
* كاتب كويتي