ما اشارت اليه منظمة "هيومان رايتس ووتش " حول انحدار العراق الحالي بنظامه الطائفي ذي الهوية والصبغة الايرانية نحو نظام استبدادي تسلطي ليس بالامر المفاجئ ولا الغريب والعجيب, بل انه تحليل منطقي لظاهرة سلطوية ولحالة نفسية يعيشها العراقيون المغرمون بالاستبداد والمقدسون لرموزه, بل والساعون لانتخابه وشرعنته.
من الناحية المبدئية الصرفة والعقلانية المحضة فان اي حزب ديني او طائفي هو حزب استبدادي تسلطي بطبيعة الامور والاحوال والضرورات, والاحزاب الدينية والطائفية لا تنتج سوى الكوارث, وحزب "الدعوة وشركاه" الحاكم اليوم في العراق جاء للسلطة نتيجة لخداع وتزوير انتخابي بسبب طبيعة قانون الانتخاب المثير للشبهات والمكرس للازمات, فمن يجب ان يشكل الحكومة كان ينبغي ان يكون الكتلة الاكبر الفائزة في الانتخابات, وهي كتلة العراقية, التي رغم عجزها ونواقصها ومثالبها الا انها تظل نظريا على الاقل بعيدة عن التصنيف الطائفي والمذهبي والديني الزاعق, دون ان ننسى ونتجاهل حقيقة تاريخية معلومة للجميع بان قيادات الاحزاب الطائفية هي بطبيعتها التكوينية قيادات ميليشاوية مارست الارهاب العلني تحت الرعاية الايرانية المباشرة, وكذلك الرعاية الاستخبارية السورية, وتلك حقائق موثقة نعرفها جميعا وعشنا تداعياتها المكانية والزمانية ولا ينبغي الافلات والتملص من نتائجها ابدا, لذلك فان عودة الحياة السياسية العراقية بعد ازاحة قشور ديمقراطية التدجيل والتجهيل التي سادت بعد احتلال العراق اميركيا ثم ايرانيا لصور الاستبداد وتسلط الاجهزة الامنية والميليشيات الطائفية المجرمة ليست سوى الصورة الحقيقية لطبيعة الانظمة التي يديرها قادة التنظيمات السرية والخاصة, فالمسألة لم تعد متعلقة باعتقالات خارج دائرة القوانين, بل اضحت تكييف القوانين وتزويرها لاخفاء شرعية زائفة على ممارسات ارهابية, هذا غير عمليات الاغتيال بكواتم الصوت ورعاية رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي شخصيا لفرق الموت الارهابية العراقية كتحالفه المعلن مع عصابتي كوادر "حزب الله" التي قصفت بالصواريخ الايرانية ميناء مبارك الكويتي, وكذلك عصائب اهل الباطل الارهابية التي مارست الارهاب الاسود, واغتالت العديد من العراقيين, ومن بينهم رئيس هيئة اجتثاث البعث علي اللامي نتيجة لتصفية حسابات مع التيار الصدري الذي يؤيده اللامي! غير الالاف من الجرائم التي قيدت ضد مجهول رغم ان الفاعل معروف ومعلوم ويتحرك برعاية رئيس الحكومة المناضل وطبعا حكاية السجون السرية والخاصة التي كشف عن بعضها الاميركيون فيما تم غض الطرف عن البعض الاخر مشهورة حكاياتها ورواياتها عند العراقيين جميعا, اما التعذيب لانتزاع اعترافات وهمية تجير لصالح صراعات سياسية وشخصية فهي "اكثر من الهم على القلب" في وطن ضائع بين الرموز والطقوس والخرافة والماراثون نحو المجهول, التعذيب في السجون والمعتقلات العراقية لايبدو انه رهين بسلطة البعث المندرس, بل انه مدرسة سلوكية عراقية متأصلة بصرف النظر عن هوية الطرف الحاكم في العراق, وانتكاس الديمقراطية على الطريقة الاميركية في العراق هو امر طبيعي للغاية في بلاد ومجتمع لا يقيمان لحرية الرأي وزنا في ظل تسلط احزاب شمولية طائفية ورجعية ارتدت وشاح الديمقراطية بشكل تمويهي للوصول الى السلطة. لقد سبق لنوري المالكي ان اعلنها قبل اشهر علنا حينما ردد عبارة "ما ننطيها"! ويعني السلطة, وهو طبعا يعني مايقول في بلاد لم يزل قطاع كبير من شعبها يرفع شعار: "يالثارات قريش"! ومازالت رايات الفتنة الكبرى تتردد مؤثراتها في الشارع العراقي المتأزم والمتخلف. العراق بحاجة الى ثورة ثقافية ومجتمعية حقيقية لن يقوم بها الطائفيون والمتخلفون.
* كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com