لايزال ملف الكهرباء يحتل الموقع الأساسي في السجال اللبناني المحتدم. وهو سجال تصاعدت وتيرته في الآونة الأخيرة على خلفية السخط والغضب العارمين اللذين أثارهما تفاقم التردي في تغذية التيار الكهربائي. مع العلم أن هذا الحرمان الذي يطال غالبية الشعب اللبناني بات يهدد بانفجارات شعبية جداً خطرة, أما وقد بانت بوادرها في نزول الشعب إلى الشارع, في مناطق مختلفة في بيروت سيما في الأحياء الفقيرة والمعدومة. فالكهرباء ومنذ نهاية الحرب الأهلية لم تشهد أي تحسن, بل على العكس هي في حال من التردي المستمر, والمواطن اللبناني بغالبيته يعاني الأمرين, حيث أنه مضطر لدفع فاتورتين للكهرباء, واحدة للدولة التي لا تمده سوى بساعات معدودة خلال ال¯24 ساعة, وفاتورة أخرى لصاحب مولد الحي الذي انبرى لرفع تسعيرته بسبب زيادة ساعات التقنين من قبل شركة الكهرباء. والجدير بالذكر هو أن الوزير المسؤول عن القطاع الكهربائي جبران باسيل, وبدل تبرير هذا الانقطاع, زاد في الطين بلة في إعلانه الأسبوع الماضي عن احتمال الزيادة في التقنين, في حال لم تقر الحكومة الميزانية التي طلبها لشراء بواخر "الفيول أويل". هذا فيما تتمحور حجة الحكومة في عدم الاستجابة لطلبه, بجملة من الظنون والشكوك حول تصرفه المشبوه في نيته تلزيم بعض المقربين منه لجني الربح غير المشروع عبر صفقة استيراد البواخر هذه. وفي موقف استفزازي أعلن منذ يومين يسانده عمه الجنرال عون, حليف "حزب الله", بأن هناك توظيفاً سياسياً من قبل الفريق الآخر في الحكومة, يستهدفه والتيار السياسي الذي ينتمي إليه "بأنهم" (أي الفريق الآخر) لن ينالوا منه ولا من عمه الجنرال, وأن ما يفعلونه سوف يؤدي إلى تقويتهم تجاه قاعدتهم الشعبية... وليس العكس.
هذا الوضع المأزوم حالياً في لبنان والذي يأخذ شكل المشادة والمناكفة المستمرة بين مختلف مكونات الحكومة اللبنانية, يشكل في الواقع مؤشراً على خطورة المرحلة التي من المحتمل أن يكون لبنان على مشارف الانحدار باتجاهها. فهذه الحكومة الذي ليست في الواقع سوى صورة ونتاج لهذا النظام الأعوج والدائم الانقسام على ذاته, هذه الحكومة أصبحت اليوم مكشوفة, من ناحية عجزها وتقصيرها وتأخرها وعدم قدرتها, عن تأمين أبسط مكونات الحاجات المعيشية للمواطن. والهوة التي تفصلها عن معاناة الناس باتت سحيقة لحد أنه قد يكون متعذرا عليها من الآن وصاعداً النفاذ من هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنة, بل المرجح هو الانهيار التام, انهيار البيت على رؤوس الجميع. هذا مع العلم بأن الكهرباء ليست سوى أحد أوجه المعاناة. فاللبنانيون يشتكون من تفشي الفساد في مختلف أجهزة الدولة, ناهيك عن المحسوبية والاصطفافات الطائفية التي تتحكم وحدها بتقسيم وتوزيع المراكز والمواقع والحصص. فالتأفف والغضب باتا السمة الغالبة على الوضع اللبناني اليوم, في ظل عجز المواطن عن القدرة على تأمين أبسط ضروريات الحياة الكريمة كالطبابة والمدرسة والدواء والمحروقات والاتصالات السلكية واللاسلكية, وسواها.
أما السؤال الذي بات يطرح نفسه فهو: هل بإمكان تحول أزمة الكهرباء إلى صاعق للانفجار على صعيد الوضعين الاجتماعي والسياسي في لبنان? في الحقيقة من غير المستبعد أن يكون الجواب نعم لأنه في ظل تردي الوضع المعيشي, وفي ظل الاستمرار في تفاقم أزمة الكهرباء قد تكون الأمور سائرة إلى أوضاع غير متوقعة, لا سيما وأن اللبنانيين باتوا يحضرون ويشاهدون ما يحدث بالقرب منهم من ثورات اجتماعية, ويحلمون بقدوم ساعة يتخلصون فيها من هذه الطغمة الحاكمة والتي تبقيهم في حالة الارتهان والاستلزام. لقد باتوا يحلمون بربيع يأتيهم أسوة بالشعوب المجاورة. هذا مع العلم أنه ومن الناحية الجيوسياسية قد لا يكون مستبعداً حصول موجات ارتدادية للزلازل الحاصلة في مصر وفي سورية, أي دولتهم الشقيقة الكبرى.
هذا في وقت يجهد الإعلام الموالي لاستمرارية الأوضاع الشاذة القائمة, في طروحاته المروجة لاستحالة هكذا فرضيات. وحالياً بتنا نشهد تضافر كل القوى, المعارضة منها والموالية في سعي دؤوب لنفي حدوث أي سيناريو تغييري في لبنان, أما الهدف فهو إحباط الهمم قبل أن تتحول لواقع محسوس على الأرض. يبقى أنه وفي ظل استمرار عجز أحد الطرفين عن مسعى الاستقطاب أو الالتفاف لاستيعاب ملف الكهرباء كما يتم عادة بخصوص كل المظالم المعيشية الأخرى قد يفلت المقود هذه المرة من يد القوى المحافظة, وتصبح الأمور مطروحة في الشارع ومفتوحة على كل الاحتمالات الانقلابية.
لذا عندما يدعو على سبيل المثال الجنرال عون الشعب للتظاهر ضد الحكومة في وقت يشكل وزراؤه ووزراء حلفائه الجزء الأكبر منها, ناهيك عن كون وزير الطاقة بالذات ليس سوى صهره, فذلك يشكل نموذجاً صارخاً للنهج الذي اعتادت كل الحكومات المتعاقبة على استعماله في لبنان وليس بالجديد... فالنظام اللبناني منتج لهذا النوع من الكذب والتدجيل وكل الحكومات تناوبت على استعماله بهدف الالتفاف على حاجات المواطنين, وكوسيلة لسرقة الملفات المعيشية من يدهم تحت شعار: "أنت لا تطالب دعنا نطالب عنك, أنت لا تتظاهر اتركنا نتظاهر عنك". يبقى أن هذه الستراتيجية المتفق عليها ضمناً من قبل كل التيارات السياسية, التي قد تختلف ظاهرياً على قسمة الجبنة, وتتفق ضمنياً على حساب المواطن, هذه الستراتيجيات قد لا تعود صالحة للاستعمال اليوم في ظل هبوب الرياح العاتية القادمة من عند الشقيقة الكبرى, حيث نشهد إطاحة الثورة بكل هذه المفاهيم والوسائل التقليدية البالية.
*كاتبة لبنانية