يبدو أن أحد الإخوة كان لديه سؤال في الدين لا يحتمل التأجيل فلم يجد بدا من اللجوء إلى أحد السلفيين المتشددين المتطرفين ليطرحه عليه, بدلا من أن يطرحه على »مفتي« شرعي, وكان بالإمكان الحصول على جواب لهذا السؤال من أي مواطن محب لهذه الأرض, ومن أي من المشايخ الذين نقدر علمهم ونبجل حرصهم على الوحدة الوطنية, وأهم من هذا وذاك نعرف كم الاحترام الذي يكنه لهم الشعب الكويتي بكل أطيافه, مثل الدكتور خالد المذكور والدكتور عجيل النشمي والدكتور محمد الطبطبائي والدكتور محمد الشريف.
هذا المواطن سأل السؤال التالي: السلام عليكم شيخ, شيخ هل أستطيع التصويت لمرشح شيعي له مواقف وطنية مذكورة شهدتها ساحة الإرادة في الاعتصامات الأخيرة?
أقسم بالله توقعت أن يكون الجواب بعلامة تعجب كبيرة بصيغة أسئلة عدة جديدة من المسؤول على السائل: أفبعد كل هذه المواقف الوطنية لغالبية إخواننا الشيعة لازلت بحاجة إلى دليل على محبة هذا الشيعي للوطن? وهل كان على عينيك غشاوة لا تقدر بسببها على التفريق بين الوطني وغير الوطني? ولكن تبين أن "مفتي آخر زمن" هو من كانت على عينيه الغشاوة, لأنه رد ردا صعق به كل الكويتيين بجميع أطيافهم وأولهم السنة المحبين لهذه الأرض. وللأسف الشديد كان الرد: »لا يجوز واللي مو على دينك ما يعينك«!.
ما أعرفه وأنا من تجاوز الستين عاما وبدأت الصلاة قبل أن أكمل السنوات الخمس من العمر, أن مجرد ترديد الشهادتين (أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمدا رسول الله) يتحول الإنسان الكافر إلى مسلم, فما بالك بالشيعة الإمامية الإثنا عشرية الذين يرددون الشهادتين عشرات المرات يوميا ويصلون الصلوات الخمس ويصومون ويحجون ويؤمنون بالرسل والملائكة واليوم الآخر? أفبعد كل هذا "طلع مذهبنا بوش والعياذ بالله, وكل هالطقوس طلعنا مو على الدين الإسلامي? .. أفااا."
ما يفهم من الجملة السخيفة التي وردت على موقع مفتي العصر ب¯»تويتر« "اللي مو على دينك ما يعينك", هو أن من لا يسير على الدين الإسلامي لا يمكن أن يعين على بناء الوطن, ولهذا قال إن التصويت للشيعي لا يجوز. الهذا الحد وصل الأمر ببعض المتطرفين أن ينظروا إلى الوطنية من منظار مكسور وبه الكثير من الخدوش العقلية? وماذا إذا بشأن الكويتيين المسيحيين الذين قد يرون في أنفسهم الكفاءة لإعلاء شأن الكويت أكثر من كثير من الكويتيين المسلمين? "هذيله عاد مالهم غفارية بالمرة". وإذا كان هذا التقييم الأعوج هو الأسلوب المتعارف عليه عند هؤلاء المتطرفين لقياس وطنية الكويتيين, وهو أن يكون "من دينك علشان يعينك", فماذا سيقول المسيحي الذي خدم الكويت عشرات السنين لإعانة إخوانه وأهله الكويتيين? أليس في مثل هذا الكلام شرب زعاق وسم زعاف وخنجر قاتل في قلب كل مخلص لهذه الأرض?
لقد التقيت بالدكتور عجيل النشمي والدكتور محمد الطبطبائي والدكتور محمد الشريف مباشرة وكذلك بالدكتور خالد المذكور بشكل غير مباشر, ولم نسمع منهم في يوم من الأيام ولا ممن سبقوهم من مشايخ الكويت الأجلاء, رحمة الله عليهم جميعا, إلا ما يجمع ليس بين الكويتيين من المذهبين السني والشيعي فقط, ولكن بين كل أطياف الشعب الكويتي أيضا, فما هي أغراض مثل هؤلاء الشاذين فكريا اليوم?
نسبة الكويتيين من أتباع مذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية تتجاوز 35 في المئة من إجمالي عدد السكان الكويتيين, فهل يعقل أن هذه النسبة المؤثرة في أي مجتمع لا تعين البقية على بناء الوطن? هل يعقل هذا وكل كتب تاريخ الكويت تذكر صراحة أن عائلات كويتية شيعية ساهمت في بناء الكويت الحديثة, فمن هو هذا النكرة الذي خرج علينا مفتيا بأن الشيعة ليسوا من الإسلام بشيء? أو أنهم لا يمتون للسنة بصلة?
إن مجرد ذكر أسرة من تلك الاسر واحدة تكفي ليرفع المؤرخون الأفذاذ قبعاتهم تقديرا لإنجازاتها الوطنية واحتراما لمكانتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية عبر تاريخ الكويت. إن ذكر أسرة معرفي الكريمة وحدها وما سطرته خلال أكثر من 230 سنة من إنجازات تاريخية مهمة ليس للكويت فحسب, وإنما للمملكة العربية السعودية الشقيقة أيضا, يغني عن ذكر قائمة طويلة من الأسر الكويتية الأخرى, وسلسلة من إنجازاتها وخدماتها الجليلة التي حفرت اسمها وأعمالها المتميزة بأحرف من نور على الصفحات المضيئة لتاريخ هذا الوطن.
فهل يعرف هذا النكرة ما قدمته أسرة معرفي للكويت خلال كل أزمة إقتصادية مرت بها بلادنا, سواء خلال سنة »الهيلق« وسنة »الهدامة«, بالإضافة إلى مشاركتها في معركة الرقة والصريف وتقديمها المال والسلاح في معركة الجهراء, ومساهمتها في تعمير القصر الأحمر بعد معركة الجهراء? وهل يعرف هذا المتلف لنسيج الوحدة الوطنية ما قدمته أسرة الوزان وبهمن وبهبهاني والدشتي من تضحيات مالية وجسدية لتراب هذه الأرض خلال الغزو العراقي الصدامي?
وهل يعرف من يحاول التحرش بشريحة عريضة من الكويتيين أن من أشهر رجالات أسرة معرفي الكريمة تاجر الأسلحة المعروف المغفور له محمد علي معرفي المولود عام 1842, وما قدمه دون منة لآل السعود الكرام من باب الأخوة والإنسانية فقط? فعندما قرر المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود فتح الرياض واسترداد حكمه طلب حاكم الكويت آنذاك, المغفور له الشيخ مبارك الصباح من محمد علي معرفي تزويد الملك عبدالعزيز بأربعين بندقية فزوده بها. فكيف أعان الشيعي الإمامي الإثنا عشري أخاه السني "السعودي" وهو ليس على دين آل سعود?, وكيف قبل السني معونة الشيعي الإمامي الإثنا عشري طالما لم يكونا على دين واحد كما ادعى هذا الأخرق?.
وهل يعلم هذا أن الملك عبدالعزيز, طيب الله ثراه, قدم سيفه عربونا لمعرفي حتى يعود من معركته التاريخية ليسدد قيمة الأسلحة المقدمة له, فرفض معرفي ذلك لأنها كانت هدية من أخ لأخيه? فمن أين أتى إلينا هذا الغريب الأطوار ليحاول تمزيق اللحمة الوطنية بين أبناء الوطن الواحد?
في أواخر أربعينات القرن الماضي بدأت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة بإصدار مجلة "رسالة الإسلام" الفصلية. ولو بحثت في العدد الثالث من السنة الحادية عشرة من هذه المجلة الصادرة في محرم عام 1379 الموافق يوليو 1959, وتحديدا في الصفحتين 227 و228, لوجدت الوثيقة الرسمية التاريخية لفتوى شيخ الجامع الأزهر المغفور له فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت في شأن جواز التعبد على المذهب الجعفري أو الشيعة الإمامية, عندما سئل فضيلته: »إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية ولا الشيعة الزيدية, فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه? أفتضمون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية مثلا.
فأجاب فضيلته: 1) ان الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معين بل يقول: ان لكل مسلم الحق في أن يقلد بادىء ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة, ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ¯ أي مذهب كان ¯ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.
2) أن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة.
فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك, وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة, فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب, أو مقصورة على مذهب, فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى يجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم, ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات«.
ولمن يريد التأكد من صحة هذه الوثيقة التاريخية يستطيع الدخول عبر الرابط التالي الذي عرض الوثيقة رغم اختلافي مع بعض ما جاء على هذا الرابط من وقائع: "http://www.youtube.com/watch?v=E71ULFB653E&feature=related"
وللحديث بقية إن شاء الله.
* إعلامي كويتي
yousufzinkawi@hotmail.com