كثر الحديث عن تعريف ظاهرة الشبيحة في سورية, وهم من ارتكبوا فيها أفظع المجازر, وقبل أن ندخل في الموضوع أردت أن أعرف هذا المفهوم, فوجدت صديقي الكاتب السوري الكردي درويش محمي قد عرفه بما كنت أعرفه سابقا ويعرفه الناس من أهل اللاذقية "مدينة وقرداحة", حيث انهم يتصلبطون على الناس هناك يسرقون وينهبون ويهربون ولا يدفعون للدولة أي ضرائب او حتى أنهم يسرقون الماء والكهرباء لبيوتهم على مرأى ومسمع الدولة, ومن يعتقل بطريق الصدفة منهم, تنهال الاتصالات على الجهة التي اعتقلته من اجل الافراج السريع عنه. يقول درويش"يقال ان كلمة "الشبيح" مقتبسة من الشبح, وقد درج الناس في سورية على اطلاق كلمة الشبح على سيارة ال¯"مرسيدس" طراز ال 500 كما أظن لسرعتها وقوتها, ولان ميليشيات النظام ومرتزقته, كانت تتبجح على عامة الناس بما لها من امتيازات وسلطات, وهي تجول وتجوب الشوارع والطرقات في قوافل من سيارات ال¯"مرسيدس" المعروفة بال¯"شبح", تم وصف وتسمية تلك المجموعات من اعوان النظام ب¯"الشبيحة". يقال ايضاً في تعريف كلمة "الشبيحة" واصلها ومصدرها, انها كلمة مقتبسة من شبح الموت, و"الشبيح" كالشبح الذي يحمل معه الموت والعذاب اينما حل ويلبس الاسود, وسلاحه لا يخفيه, والقتل عنده امر عادي. في سياق التعريف ب¯"الشبيحة" لا بد من التذكير بالتطور الحاصل في مفهوم "الشبيحة" فمع انطلاق الثورة السورية في منتصف مارس الماضي, لم تعد كلمة "الشبيحة" كسابق عهدها حيث لم تعد مقتصرة على عناصر موالية للنظام السوري من طائفة معينة, بل اصبحت تطلق على كل مدني مدفوع الاجر او مدني متطوع, كما يحدث في حلب حيث المهربين, وربما التعريف الاكثر بلاغة لمصطلح "الشبيحة" هو الشعار الذي يردده "الشبيح" نفسه "يا بشار لا تهتم نحن رجالك نشرب دم". والشعار الأخير" شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد" الشبيح تحول إلى حرفة, وهذه الحرفة تحتاج الى ثقافة لتصليبها وتمتينها بالارض, فظهرت ثقافة الشبيحة, أو ثقافة التشبيح, وهذه الثقافة تستمد توليد دلالاتها وشبكة ملفوظاتها في سورية, من أمرين: الأول- الاحساس بالقوة التي يوفرها القرب من هذا الرمز السلطوي أو ذاك..فيصبح سيدا والشبيح عبدا ينفذ ما يريده بلا تردد, نتيجة لما توفره هذه القضية من الحصول على امتيازات حسية مادية, وامتيازات رمزية الاحساس بالسلطة, وانه ومعلمه هم القانون, والانغماس بالحسية هذه لدرجة الانفصال عن أي بيئة مولدة لأية ثقافة اخرى, لأن كل ما هو خارج سيده, هو لايتيح له التشبيح, فهو عدو ويجب قتله. الواقع بالنسبة اليه يتكثف بما يرضي سيده, وما يتيحه هذا السيد لعبده من الامتيازات التي ذكرناها سابقا, ولهذا تجد أن المفردة التي يتداولها الشبيحة هي مفردة" المعلم" طبعا ليس نسبة لوليد المعلم! والمعلم" يعني معلم حرفة بالسوري كالنجار والبلاط" مفردة يتم تداولها هرميا في هذه السلطة قادة أجهزة المخابرات يقولون عن الرئيس المعلم, وضباط المخابرات الأصغر رتبة يقولون عن قادة الأجهزة التي يعملون بها المعلم أيضا, وهكذا حتى نصل إلى أسفل هرم السلطة, وهوامشه والهوامش ليست بالضرورة غير فاعلة, مثال: هناك أفراد من آل الأسد أو آل شاليش أو آل مخلوف مثلا, ليسوا بموقع رسمي بالسلطة, لكنهم معلمون جميعهم!!هناك معلمون لهذا يرسلون شبيحتهم لقرى أخرى ينهبون ويقتلون بحجة أنهم مع المعلم الأكبر وينفذون اوامر المعلم الاصغر, ويعودون مكللين بالنصر على الاعداء. هذه ثقافة السلطة منذ أربعين عاما, في تعاملها مع الشعب السوري, لهذا ليس من باب الصدفة إطلاق لقب الشبيح الأكبر على رأس النظام في الشارع السوري.
- الأمر الثاني: تكريس البعد الطائفي لتواجدهم وكأنهم فرسان الطائفة الذين يذودون عن حياضها, ولتتحول سورية بأكملها إلى غنيمة حرب, وكل ما هو الآن منبث في الاعلام وفي شبكة الانترنت عما يقوم به الشبيحة, تجدهم يتحدثون بلهجة علوية ريفية ثقيلة رغم ان منهم من ولد بالمدن كدمشق حيث يتواجد أهاليهم فيها بحكم وجودهم بالجيش فيستمرون بالحديث باللهجة نفسها, علما أنه أيضا يمكن ان تتواجد أعداد كبيرة منهم لا تنتمي للطائفة العلوية الكريمة لا ولادة ولاعيشا ولا اختلاطا,مثال شبيحة في حلب, لكن المنطوق وما يحمله من عوامل القوة في الامر الأول أعلاه, جعل النطق بلهجة علوية تكرس هذا الشعور, ولذلك تجد أن شبكة الملفوظات المستخدمة كلها تقريبا يتم النطق بها بنبرة صوتية علوية. والأطرف بالموضوع أن كثيراً من ابناء شعبنا من الطائفة العلوية قد عانوا من هؤلاء كثيرا قبل الثورة وعلى مدار العقود الاربعة الأخيرة.
الأمر الخطير في سورية والذي بدأ منذ السبيعنات من القرن الماضي وتكرس مع الصراع مع الإخوان عام 1980 هو هذه الثقافة بالذات, والجميع يتجاهلها لكنه مضطر للعمل بها ووفقا لمقتضياتها, وإلا سيكون مصيره سيئا..لذلك لا يخطر على بال الشبيح أن يسأل من أعطى الحق لمعلمه أن يفعل ما يفعله? لأنه بهذا السؤال يقطع رزقه وتنتهي امتيازاته هو...وهذا الأمر هو من كرس مزيدا باحساس الناس في سورية أن هذا النظام طائفي, بغض النظر عن حقيقته, لدرجة ان المواطن السوري منذ زمن بعيد تقول له مخابرات, يقول لك علوي..وتقول له علوي يقول لك أنه مع السلطة.
تتحمل المعارضة مسؤولية في ذلك لكنها مسؤولية رمزية, لأن المعارضة منذ عام 1970 وهي لاهثة وراء حماية نفسها من السجون. وهذا حق لها بالطبع, لأن من يدخل سجن الأسد لا يخرج...والاطرف أن هذه الثقافة انتقلت للبنان, بعد دخول الجيش السوري إليه, حتى بتنا نرى انتشار التشبيح في لبنان استنادا الى قرب الشبيحة هناك من هذا الضابط السوري أو ذاك. وتكرست في لبنان ثقافة التشبيح أيضا ولكن على الطريقة اللبنانية, وئام وهاب مثالا يفقأ العين, وميشال عون, وكثر من اعلاميي المقاومة والممانعة, معلمهم دائما على صح, يقتل بالشعب السوري وثرواته كلها نتاج نهب لهذا الشعب, وهو دائماً سيد سورية ومساند للمقاومة وضد المشروع الأميركي والاسرائيلي, أعطونا عبارة اخرى تخص ما قام به سيدهم في سورية من ايجابيات!!? حتى في ذهنهم لا يوجد, وعندما يأتون لدمشق ينتظرون أمام مكاتب ضباط المخابرات السورية ساعات حتى يسمح لهم بخمس دقائق... وكذلك كثير من الشخصيات السياسية اللبنانية, لهذا ووفقا لأهلية الاعلام اللبناني الذي تمتع بالحرية, تجد أن القنوات الفضائية عندما تريد إعلاميا يدافع عن القتل والنظام القاتل في سورية تحضر له إعلاميا أو سياسيا لبنانيا, ويسأل كثير من الناس لماذا لبناني وليس سورياً?
من يسمع ضحكات ونكات الشبيحة في سورية وهم يتندرون كيف قتلوا ونهبوا, تماما كما فعل تلفزيون ميشال عون المسمى "Otv" بإنتاج برامج سخرية على المتظاهرين في سورية..
وكل مجموعة شبيحة تنتهي بنهاية معلمها, وهي تدرك ذلك, لهذا هي تستميت بالدفاع عنه, لكن المشكلة في القصة أن ثقافة التشبيح هذه أصبحت جزء عضويا, بل هي الثقافة السائدة بالتشكيلات العسكرية الأكثر ولاء للنظام..وتحول العسكر المحترفون بالطبع إلى شبيحة نظاميين, ويأخذون رواتبهم من الدولة السورية والتي هي أموال كل الشعب السوري, ويركب ضباطهم أحدث السيارات ويقومون ببناء أفخر الشقق والقصور والفلل, ولم يتحول الشبيحة إلى عسكر, فهم بقوا شبيحة يأخذون رواتبهم من معلمهم الذي يمكن أن يعرف نفسه بأنه تاجر مثلا, كما يعتقد بعضنا, الشبيح منفصل عن الواقع ولا يسأل نفسه أي سؤال, خارج هذه البرمجة المتراكمة منذ عقود في سورية.
جوهر "التشبيح" الآن يتمحور حول نسيان من هو هذا النظام? وما قام ويقوم به? وهذا الأمر يعبر عنه بجدارة بعض أقلية معارضة, واعلاميين ومثقفين من لبنان, ويساريين وعلمانيين وإسلاميين سوريين وغير سوريين, عندما يتحول مفتي الجمهورية إلى "شبيح" ويهدد العالم.
أهم ما يميز الشبيحة" زفارة اللسان" كما يقال بالعامية, الكذب, والفجور, لاحظ وئام وهاب, ولاحظ شريف شحادة وخالد العبود وطالب إبراهيم, هؤلاء شبيحة مثقفون وسياسيون, فمابالكم بالشبيحة العاديين?
والشبيح سواء أكان مدنيا او عسكريا لايشعر بأي تأنيب ضمير وهو يقوم بالقتل أو النهب, بل هو مستعد لأكثر من ذلك, لأنه تبرمج على ذلك ويشكل هذا مصدر رزقه الوحيد, والأهم يعتمد إحساسه بذاته على وجوده في هذا الموقع السلطوي وهنا وجه الخطورة...وهنا ما يمكننا تسميته "الفاشية" فهو يشعر بالفخر مثلا بأنه قتل كذا وكذا من المتظاهرين! وفي الانظمة الأخرى المخبر أحيانا يخفي عمله لسببين:
الأول لأنه سري, والثاني ربما لأنه يشعر بالخجل من محيطه...في سورية أصبحت هذه الوظيفة مصدر فخر عند الشبيحة...هو لايهتم ما الذي يحصل في الحياة خارج يومياته, ولغته ومعلمه, مرهون له على مدار الساعة, وتحت انتظار هاتفه, وهذه مثلا تجد أن هناك كثيراً من كبار ضباط الاستخبارات والجيش, يبنون شققاً خاصة لهم أو فللاً داخل فروعهم الأمنية, ويقيمون بها..فيغادر من مكتبه لشقته في المبنى نفسه, يخاف أن يأتي المعلم فجأة...هو رهن مطلق لإشارته...المعلم هو الله بالنسبة للشبيح.
* كاتب سوري
ghassanmussa@gmail.com