القاهرة - عبد الفتاح الزغبي
انتصار عبد المنعم.. قاصة وروائية مصرية شابة, فازت بالمركز الأول في القصة القصيرة بمسابقة احسان عبدالقدوس. وصدرت لها من قبل مجموعة قصصية بعنوان "عندما تستيقظ الأنثى", ثم كانت روايتها التي جذبت اليها الانتباه بعدما سارع القارئ لاقتنائها وتحمل عنوان " لم تذكرهم نشرة الأخبار".. تلك الرواية التي وقّعت عقد طبعتها الثانية أسفل كوبري" 45 ميامي" بين المارة وبائعي الزهور وغيرهم من البشر الذين لم يلتفت اليهم الاعلام المصري وتجاهلتهم نشرات الأخبار. هذا ما يكشف عنه حوار "السياسة" التالي معها:
" لم تذكرهم نشرة الأخبار", و"وقائع سنوات التيه" عنوانان على غلاف روايتك الأخيرة.. كيف كان اختيارهما?
العنوان يعبر عن واقع البلاد في ظل النظام السابق فقد تعودنا طوال سنوات عجاف مضت أن تخرج علينا نشرات الأخبار كل يوم بتصريحات وتوجيهات الرئيس, وتحركاته مع حاشيته من كبار رجال الأعمال لتفخيمهم ليل نهار, بينما هناك ملايين البشر لا يهتم بهم الاعلام الحكومي, ولا نسمع عنهم شيئًا في تلك النشرات وموجزا الأنباء, فهم لا يمثلون أهمية لأحد, هؤلاء البسطاء هم الشعب, ملح الأرض وخبزها وقد سقطوا من ذاكرة الحكومة, أما العنوان الجانبي "وقائع سنوات التيه" فيشير الى سنوات القهر والذل التي عانى منها البسطاء على مدار العشرين عامًَا الأخيرة من حقبة الفساد التي انتهت بثورة 25يناير, وعندما نفدت الطبعة الأولى لروايتي وطلب مني الناشر توقيع عقد الطبعة الثانية, أردت أن يكون الحدث قريبًا من هؤلاء المهمشين في الاعلام فحضر الناشر من القاهرة الى الاسكندرية ليوقع عقد الطبعة الثانية من الرواية في الشارع, بحضور الناس الذين لم تذكرهم نشرات الأخبار من المارة والسائقين وبائعي الزهور أسفل كوبري"45 بميامي" ووقعت مرتكزة على ظهر سيارة فاخرة.
تبدو أحداث الرواية متشابكة ومربكة.. هل تستهويك هذه النوعية من الكتابة?
تشابك الأحداث لم يكن عن عمد ولكن الأحداث جاءت تلقائية وعفوية لحيويتها وارتباطها بالواقع المعاش فعلاً, أما حالة الارتباك التي قد يصاب بها القارئ فربما لأنه شعر عند قراءة الرواية أنه واحد من هؤلاء البسطاء الذين حرمهم النظام السابق من أقل الحقوق.
تزييف الحقائق
لماذا لم تتجاوز معظم شخصيات الرواية أزمتها?
لم يكن من المنطقي أن أختتم الرواية مثل الأفلام العربية في حقبة الستينيات حين كانت تنتهي بزواج البطل من البطلة ودخول الشرير السجن, لو فعلت ذلك فسأكون مخالفة ومزيفة للحقائق, فقد كتبت الرواية على مدار ثلاث سنوات, ولم أجد في يوم من هذه السنوات ما يشير الى انفراج الأزمة لدى أي من شخوص الرواية, فمشكلات الجميع واقعية, والحل مرتبط بتغير الواقع المعاش فعلا, مثلا الدوافع التي جعلت ماجد يهرب الى اسرائيل مع "نتاشا" راقصة البلشوي المعتزلة, ودفع طارق الى ترك وطنه بحثًا عن فرصة للعمل بعيدًا عن واقعه المهين, كلها تعبر عن مشكلات مزمنة وواقع مستمر ومن غير المنطقي أن يتم حلها في الرواية كي نصل الى ما كان يسمى بحل العقدة, أو انفراج الأزمة.
وهل السفر الى اسرائيل والزواج من اسرائيلية يمكن أن يعتبره القارئ خيارًا لابد منه وان كانت ظروفه صعبة?
السفر الى اسرائيل مجرد خيار من خيارات يائسة عدة تماما مثل الهجرات غير الشرعية في القوارب المتهالكة التي تفضي بالكثيرين لفقد حياتهم, فتسلل ماجد الى اسرائيل عقب انهيار الحاجز الأمني في رفح, جاء نتيجة طبيعية لانعدام فرص العيش بكرامة في وطن - يراه ماجد- فاتحا ذراعيه للغرباء و"الخلاسيين" ويمنحهم حقوقه وحقوق كل الشباب المصري التي اغتصبت; فلا يوجد هناك فرق كبير بين السفر الى اسرائيل أو الموت غرقًا.
وهل يتسع العمل الروائي للكاتب بحيث يناقش خلاله الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية في وقت واحد?
لو نظرنا الى الواقع سنجد أن حياتنا الحقيقية لا تنفصل فيها تلك الجوانب عن بعضها; فالحالة السياسية تنعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي, والعمل الروائي صورة للحياة, ولكن طريقة التناول السردي; وعمق تجربة الكاتب هما ما يحددان جودة الرواية, كما أن قماشة الرواية مرنة وتمكن الروائي من أن يضمنها جوانب عديدة ومتنوعة.
تقدم روايتك الأخيرة الكثير من علامات الاستفهام حول السلبيات الداخلية والخارجية دون أن تضع اجابات أو حلولاً منطقية لها?
الرواية تعكس ثقافة ومشكلات المجتمع في الزمن الذي كتبت فيه, وتتعاطي مع الحياة في مصر والتي كانت تتأزم يومًا بعد يوم; فالمشكلات كانت تفرخ أزمات أخرى, وحاولت في "وقائع سنوات التيه" رصد المجتمع من خلال الأسرة المتوسطة بواقعية شديدة. والعمل الأدبي ليس معنيًا بطرح الحلول المباشرة, ولكنه يتناول المشكلة ويبين خطورة تجاهلها, أما طرح الحلول المباشرة في العمل الأدبي فيخرجه من وظيفته الابداعية الى الوعظ والارشاد.
هل الرواية محاوله لعقد مقارنه بين جيل الآباء بانتصاراته وانكساراته وجيل الأبناء القريب من الضياع?
لا ليس هكذا.. ولكن لو أن الشباب في الجيل الحالي "ضائع" فالسؤال هنا هو من أضاع هؤلاء الشباب? ولو كانت هناك انتصارات لجيل الآباء فأين هي? لو تقصد النصر الوحيد للأمة العربية على العدو الصهيوني في حرب أكتوبر 73 فقد صمت هؤلاء الآباء الذين شاركوا في صنع النصر, صمتوا وارتضوا مهادنة العدو بمعاهدة استسلام لا سلام, وعندما صمتوا عاد العدو مرة أخرى بصور مستحدثة تحت ستار التجارة العالمية واتفاقيات أخرى كانت لصالح العدو لا الشعب, ان جيل الآباء لم يورث الأبناء الا حالة اليأس والهزيمة النفسية ووطن أعيد احتلاله بطرق أنيقة المنظر بشعة التفاصيل, جيل الآباء لم يثق في أنه في يوم ما سيتمكن هؤلاء الضائعون " كما كان يلوح البعض" من تحقيق عبور جديد في 25يناير, ولذلك فليست الفكرة ارتباط الآباء أو الأبناء بالانتصار أو ضياعه فالجميع مدان ومشارك في حالة الهزيمة التي تعايشنا معها حتى حدث الانفجار العظيم في يناير كنتيجة طبيعية لسنوات الضغط والفوران النفسي الداخلي والقهر الخارجي.
سلطة الأب
اهتمت الرواية في جيل الآباء بالشخصية الذكورية متمثلة في الأب, بينما في جيل الشباب كان الاهتمام بالشخصية الأنثوية "نادية".. لماذا?
الأب يمثل السلطة في نطاق الأسرة وهو رمز للحاكم بشكل عام, وفي الرواية بحكم عمله في جهاز الشرطة أخذ طابع القسوة, التي أصبحت سلوكًا غالبًا عليه حتى داخل أسرته لا يفارقه الا في لحظات انسانية بسيطة تضطره اليها عاطفة الأبوة التي تكشف لنا أنه كان ضحية لمن هم أعلى منه في الرتب العسكرية, أما بالنسبة لنادية فقد أخذت مكانة متقدمة في الرواية لأنها من أكثر الشخوص تمردًا على الواقع عكس الآخرين ممن خضعوا للواقع مثل طارق وماجد.
هل كانت النهاية التي وصلت اليها نادية في الرواية متوافقة مع تمردها وتحديها لأي سلطة تفرض عليها?
نعم نادية تحدت السلطة المفروضة عليها بلا وجه حق, وتمردت حتى على أشياء فرعية, ولكن ذلك لم يمتد الى رفض كل كلام الآباء; فقد تمسكت بكلام أمها حتى بعد وفاتها, ولكن ليس من الحتمي أن تحصل نادية على ما تريد أو أن يكون مصيرها أفضل مما انتهت به داخل مستشفى أمراض نفسية بسبب معاناتها من حالة "الفصام" في المجتمع, ففي علاقتها مع "طارق" كانت ضحية لكلامه البعيد عن أفعاله, وفي علاقتها مع "خالد " اعتبرها دمية لا تحتاج الا للمال والحفلات, فلم يكن بيدها تغيير عيوب مجتمعها دفعة واحدة.
اذا أتيحت لك فرصة كتابة روايتك من جديد بعد ثورة 25 يناير فما الذي ستغيرينه فيها?
أعتقد أن الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يتغير هو شفاء نادية وتغلبها على مرضها النفسي الذي دفعها دون ارادة منها للهروب من واقعها وصور لها أن مشكلاتها قد انتهت فهي لم تعد تفرق بين الواقع والمتخيل. ونادية هي الشخص الوحيد الذي حاول التمرد على عيوب المجتمع, عكس الآخرين ولذلك ربما تكون هي الوحيدة التي تستحق التطهر بالثورة.
أحداث مصر
ما رأيك في أحداث مصر الأخيرة, والى أي مدى ستؤثر على الحياة الثقافية مستقبلاً?
الأحداث الأخيرة هي تاريخ مصر الجديد, فالثورة التي قام بها الشباب ثم انحاز لها الجيش, على عكس "ثورة52"ستكون فتحًا لأعمال أدبية فارقة, فدماء الشهداء أصبحت زادًا للأدب, وهذا من شأنه ايجاد حالة من الحراك, والبعث للواقع الثقافي, الذي طالما وصفناه بالركود.
كيف ترين تعدد جوائز الرواية في مصر والعالم العربي?
اعتقد أن الاهتمام بالرواية والقصة من خلال اقامة الجوائز والمسابقات في اطار من النزاهة والمصداقية ظاهرة صحية.
وماذا تمثل لك جائزة احسان عبدالقدوس التي حصلت عليها?
أعتبرها من أجمل الأحداث التي قد يصادفها انسان; ففي ليلة الثورة24يناير تسلمت الجائزة وفي الصباح خرجت لأشارك في الثورة وأرصد فعالياتها وأحداثها في الاسكندرية.
وماذا عن أعمالك الجديدة?
لي مجموعة قصصية جديدة من حيث الفكرة والتناول اسمها "نوبة رجوع" صدرت بالفعل منذ أيام وشاركت بها في معرض الرياض الدولي للكتاب في جناح دار النشر العربية وهي أول تجربة لي في التعامل مع دور نشر خارج القاهرة.