تراثيات
ويرحل منها على جمل (3 من 3)
كانت الأوضاع الأمنية في الهفوف غير مستقرة بسبب سوء الادارة العثمانية ورنكيير رصد ذلك بدقة
من الكويت الى اللصافة والزلفي:
غادر الرحالة الدانمركي براكلي رنكيير (Barclay Raunkiaer) ومعه خادمه المسيحي العراقي "حنا" المسمى باسم إسلامي هو "علي" مدينة الكويت يوم 24/2/1912 بمعية قافلة كبيرة تتكون من 50 رجلا يستخدمون اكثر من مئة جمل لركوبهم وحمل بضائعهم ومرت القافلة في طريقها بقرية "الجهراء" وواصلت مسيرها الى نجد وكان بعض افراد هذه القافلة متوجه الى مدينة "الزلفي" وبعضهم الى مدينة "بريدة" او الى مدينة "عنيزة" او الى مدينة "شقراء", حيث اماكن سكناهم ومنازل آهاليهم ويشير رنكيير الى ان الاوضاع في الصحراء العربية كانت مضطربة آنذاك, وكان ينتابه بين الفينة والاخرى شعور بالخوف من هجوم البدو على قافلتهم , ولكنه في موضع اخر من كلامه يشير الى كرم البدو الذين زار خيامهم خلال توقف القافلة عند مضاربهم للاستراحة والتزود بالمياه, ووصلت القافلة الى آبار "اللصافة" وتحركت من "اللصافة" في يوم 8/3/1912 متجهة الى مدينة "الزلفي" ويصف رنكيير مرئياته ومشاهداته في مدينة "الزلفي" , حيث رأي الكثير من بقايا جدران البيوت الطينية المهدمة, وآثار ابار قديمة مندرسة وبقايا اشجار ميتة, وهذه المشاهدات التي رآها جعلته يقول: ان مدينة "الزلفي" كانت فيما مضى مدينة كبيرة اكبر مما هي عليه الان, وواصلت القافلة مسيرها من مدينة "الزلفي" متجهة الى مدينة "بريدة" وفي الطريق يذكر انه كان خائفا من البدو, وهؤلاء البدو كما يقول: يتشاجرون فيما بينهم لأتفه الاسباب ولكنهم سرعان ما يتصالحون ويتناسون اسباب الشجار, ويذكر انه شاهد بدويين احدهما من قبيلة "مطير" والاخر من قبيلة "عتيبة" تشاجرا فيما بينهما ثم تصالحا.
أمير "بريدة" يستقبل رنكيير بفتور وريبة واعتراض
واصلت قافلة رنكيير مسيرها من "الزلفي" الى "بريدة", فوصلت الى مدينة "بريدة" في يوم 15/3/1912 ويذكر رنكيير ان أمير مدينة "بريدة" "فهد ابن معمر" استقبله استقبالا فاترا , وطح عيه الكثير من الاسئلة التي توحي بالشك والريبة في شخصيته وأهداف رحتله, فحاول رنكيير ان يتقرب الى الامير ويكسب مودته ويزيل الشكوك من عقله, فاهدى اليه مسدسه ومنظاره, ولكن الامير فهد ابن معمر بقي على حاله ولم يتغير موقفه, واخذ بتوجيه الكثير من الاسئلة الى خادم رنكيير علي ومن هذه الاسئلة التي وجهت الى خادم رنكيير, سؤاله عن الحرب الدائرة بين الدولة العثمانية وايطاليا في طرابلس "المقصود طرابلس الغرب في ليبيا" وهدف امير "بريدة" فهد ابن معمر من هذه الاسئلة معرفة النوايا والمقاصد السياسية للرحالة رنكيير واهداف رحلته الى الجزيرة العربية ويذكر رنكيير انه طلب من امير "بريدة" ان يسمح له بزيارة مدينة "عنيزة" ولكن الامير رفض طلبه ومنعه من زيارتها, ويستمر رنكيير في وصف الظروف الصعبة والمضايقات التي مرت عليه والتي من أهمها ان أهالي مدينة "بريدة" رفضوا ان يبيعوا لقافلته اي شيء لانه نصراني, وزاد الامر تعقيدا حينما امر امير "بريدة"
أحد رجاله المسمى (مبارك) بالتحقيق مع رنكيير, وأخذ مبارك بطرح الأسئلة الكثيرة على رنكيير عله يكشف شخصيته وأهداف رحلته, ويقول رنكيير:إنه خشي أن يمنعه فهو ابن معمر أمير بريدة من مواصلة رحلته الى الرياض, فاضطر الى تهديد الأمير وتذكيره بأنه في ضمانة الشيخ مبارك الصباح والإمام عبدالعزيز آل سعود, ويحمل معه خطاباً من الشيخ مبارك إلى الإمام عبدالعزيز وبالتالي فهو يحمله المسؤولية الكاملة على المحافظة على حياته وضمان أمن رحلته وأخيراً تقرر رجوع رنكيير الى مدينة (الزلفي) التي جاء منها, وفعلاً رجع الى مدينة الزلفي بحماية رجل اسمه (فهد) من رجال إبن سعود, وسبق له أن مر بالزلفي ومكث فيها أياماً قليلة.
\ من الزلفي إلى الرياض
ومن الزلفي سافر الرحالة رنكيير متوجهاً الى الرياض من دون أن يعترض طريقه أحد ومقصده من الوصول الى مدينة »الرياض« هو مقابلة الإمام »الملك فيما بعد« عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (ت1373ه¯ /1953) وخلال مسيره مر بمدينة »المجمعة« واستقبله أميرها عبدالله ابن عسكر استقبالاً حسناً وسهل له مهمة رحلته الى الرياض, ويذكر رنكيير أنه لم تصادفه أي مشكلة في المجمعة فالأمور سارت على حسب مايرام, ولكن أموره ساءت ومعاملته اختلفت عندما وصلت قافلته الى قرية »العودة« الواقعة في منطقة »سدير« حيث استقبله أهالي »العودة« استقبالاً سيئاً, وتعرض للشتم والهجوم لأنه نصراني.
ونحن نقول: إن مصيبته قد تتضاعف, لو عرف أهالي قرية »العودة« أن خادم رنكيير المسمى علي هو الآخر نصراني وليس مسلماً كما يتظاهر أمامهم!
ويذكر رنكيير أن صحته أخذت بالتدهور خلال الرحلة وبلغ به الضعف مبلغاً كبيراً حتى انه عجز عن ركوب بعيره (ذلوله) أي أنه يحتاج لمن يساعده على الركوب, وفي يوم 26/3/1912 وصل رنكيير وقافتله الى »وادي حنيفة« القريب من الرياض وشاهد على جانب هذا الوادي آثار مدينة »الدرعية« موطن آل سعود ومنطلق فتوحاتهم وعاصمة الدولة السعودية الأولى التي دمرها إبراهيم باشا (ت 1863م) بن محمد علي باشا (ت 1849 م).
رنكيير في الرياض
وصل الرحالة الدنماركي باركلي رنكيير الى مدينة الرياض في يوم 27/3/1912م, وعلم ان الامام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قد غادرها قبل يومين من وصوله إليها, بحملة عسكرية لمحاربة قبيلة عتيبة التي تعرضت لبعض قوافله وترفض الاذعان لاوامره. وفي يوم 28/3/1912م تمت دعوة رنكيير لمقابلة والد الملك عبدالعزيز الامام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود (ت 1346ه¯) واستقبله الامام عبدالرحمن استقبالا جيدا وعامله باهتمام واحترام زائدين وحصل رنكيير على وعد من الامام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود - والد الملك عبدالعزيز - بأنه سيرتب له رحلة مأمونة مع قافلة ستسافر الى الاحساء في اليوم التالي (أي في يوم 29/3/1912م), وكان رنكيير متشوقا لمقابلة الملك عبدالعزيز, ولكن الامام اخبره بأنه لن يتمكن من رؤية الملك عبدالعزيز, لأن عبدالعزيز مازال خارج مدينة الرياض ويخطط لحملة عسكرية اخرى, ولم يرتح رنكيير لسماع هذا الخبر, واعتبر ان حظه سيئ لان الظروف لم تسمع له بمقابلة الملك عبدالعزيز (ونحن نتساءل هل الملك عبدالعزيز رفض مقابلته متعمدا بسبب الشكوك التي تحوم حول رحلته? ام ان الامر حصل مصادفة?!) وبعد انتهاء مقابلة رنكيير للامام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود, امر الامام بأن يكون الرحالة الدنماركي رنكيير ضيفا عزيزا عليه وانزله في منزله الواقع في بستانه الخاص الذي يقع شرق الرياض.
انطباعات الرحالة رنكيير عن الامام عبدالرحمن وابنه عبدالعزيز
يصف الرحالة رنكيير الامام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود قائلا: إنه شيخ وسيم يدل مظهره على الشجاعة والهيبة, وهو مثقف ولطيف,له عينان كعيني الصقر, ولحية بيضاء, وكأنه شخصية من شخصيات ألف ليلة وليلة, وتحدث معه الامام باهتمام عن مطامع الانكليز والعثمانيين في الجزيرة العربية, وعن سياسة بريطانيا في افريقيا وآسيا, وعن الحرب الدائرة بين العثمانيين والايطاليين في طرابلس الغرب. ويذكر رنكيير انه قدم الى الامام عبدالرحمن بعض الهدايا من اهلها نسخة من المصحف الشريف سلمها الى احد رجال الامام ليسلمها الى الامام نيابة عن رنكيير, لانه يظن ان الامام سيرفض تسلمها من يده لأنه نصراني, كما اهدى رنكيير بندقيته الى احد رجال الامام المقربين اليه.
أما بخصوص الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود, فيذكر أنه لم يقابله بسبب وجوده خارج الرياض في مهمات عسكرية, ويذكر ان عمر عبدالعزيز 33 سنة, وكتب ما سمع عنه: فعبد العزيز حاكم قوي وشجاع, ويمتلك راديو ينقله معه في معسكراته ومخيماته, يستمع بواسطته الى الاخبار العالمية - هذا الكلام سنة 1912 -.
رنكيير يسافر إلى الاحساء
اهتم الامام عبدالرحمن بتسهيل وتأمين سفر ضيفه رنكيير حيث ارسل رجلين من عنده الى رجال احدى القوافل المتجهة الى الاحساء وامرهما بابلاغ رجال القافلة بان الرحالة الدنماركي رنكيير هو صديق ابن سعود وبوجهه "بضمانته" وسيسافر معهم الى الاحساء وهم مسؤولون عن حمايته وسلامته وسينال العقاب اي انسان يتسبب في اذاه او اهانته ومن يتعدى عليه ويعرضه للخطر سيكون جزاؤه القتل, واشترط الامام على رئيس القافلة بان يجلب معه شهادة تزكية من رنكيير عند وصوله الى الاحساء تشهد بحسن معاملته له طيلة مدة الرحلة. وقبل ان تتحرك القافلة امرالامام بتزويد الرحالة رنكيير بكمية كبيرة من السمن والرز تكفيه طيلة ايام الرحلة وزيادة وفي يوم 29/3/1912 تحركت القافلة من الرياض متجهة الى الاحساء, والاحساء في هذا الوقت كانت تحت حكم العثمانيين وكان عدد رجال القافلة 175 رجلا منهم 30 رجلا فقط يركبون الجمال اما البقية وهم الكثر وعددهم 145 رجلا فهم يرافقون القافلة مشيا على الاقدام ومعظمهم من الشباب المتجه الى الخليج العربي طلبا للرزق للاشتغال على مراكب صيد اللؤلؤ ويظهر مما كتبه رنكيير انه مستمع جيد وشديد الملاحظة لما حوله وبما ينقله له خادمه "حنا" فهو يشير الى ان الامن والامان مفقودان في منطقة الاحساء وما جاورها وذكر لنا بعض الوقعات والغزوات التي كثيرا ما تحصل بين البدو اهل الصحراء والعثمانيين الذين يحكمون الاحساء على عكس المناطق الواقعة تحت حكم ابن سعود التي تتمتع بالامن والامان وفي يوم 7/4/1912 وصل الرحالة رنكيير الى مدينة الهفوف قاعدة الاحساء وهو على وشك الموت بسبب المرض الشديد الذي يعاني منه.
وذكر رنكيير انه لقى استقبالا حسنا وتكريما وترحيبا من رجال الحامية العثمانية في مدينة الهفوف ومن قائدها الحاكم العسكري بمنطقة الاحساء عباس حلمي بيك, وانزل في احدى بنايات الحكومة ومكث رنكيير في مدينة الهفوف عاصمة الاحساء خمسة ايام ويذكر انه كان يعاني من مرضه الشديد ولكنه لم يمنعه من قضاء وقت جميل في التفرج على واحة الاحساء التي اعجب بها وتجول بين ارجائها وزار قلعة السجن وشاهد فيها الكثير من البدو الغزاة المقيدين بالحديد ومن ملاحظاته المهمة انه لاحظ ان حالات السلب والنهب تحدث في مدينة الهفوف في وضح النهار وعلى مرأى السلطات العثمانية ذات الادارة السيئة وكذلك لاحظ ان المناطق التي حول المدينة يكثر فيها قطاع الطرق واللصوص وحتى سوق المدينة لم يكن امنا على الرغم من وجود الحراس من الجنود العثمانيين ويرى رنكيير ان السلطات العثمانية تتحمل بعض المسؤولية عما يحدث في هذه المناطق والمسؤولية الاخرى حملها على البدو وعلى مكائد الوهابيين كما يزعم, علما بأنه ذكر في مواضيع عدة من كتابه بان الادارة العثمانية تتحمل المسؤولية الكاملة على هذا التسيب والانفلات الامني الذي يحدث في الاحساء, وذكر الغزوات والغارات التي كثيرا ما تحدث بين قبائل آل مره والدواسر وقحطان وبني هاجر لذلك لا يأمن المسافر في الصحراء على سلامته وهذا الامر أثر تأثيرا سيئا على حركة القوافل التجارية.
رنكيير من الهفوف الى العقير والبحرين
أقام الرحالة باركلي رنكيير خمسة أيام في الهفوف في ضيافة حاكمها العثماني عباس حلمي بيك, وغادرها في يوم 12/4/1912 متوجها إلى ميناء العقير الذي يبعد عن مدينة الهفوف بنحو 50 كيلو متراً, وكان بحراسة سرية عثمانية تتكون من خمسين رجلاً يقودهم ضابطان. ويذكر أنه شاهد وهو سائر في الطريق اثار معركة دارت قبل شهرين بين رجال قافلة تتكون من 500 جمل يحرسها الجنود العثمانيون وبين البدو الرحل, حيث هجم هؤلاء البدو على هذه القافلة المتجهة من ميناء العقير الى مدينة الهفوف واستولوا عليها وقتلوا عددا من الجنود العثمانيين وقتل عدد منهم. ولما وصل رنكيير الى ميناء العقير (Ajer) سجل مشاهداته ومرئياته حول هذا الميناء الذي يعتبر في ذلك الزمان أهم ميناء يقع في المنطقة الشرقية, يقول: هذا الميناء عبارة عن قلعة من الطين وخان (حوش كبير فيه غرف كثيرة) يسكن فيه أصحاب القوافل الذين ينقلون البضائع من الميناء على ظهور الجمال , ويوجد في الميناء - في البحر - عدد من المراكب الشراعية لنقل البضائع والمسافرين. أما الحامية العسكرية العثمانية المسؤولة عن حماية الميناء فهي متقوقعة لوحدها ومعزولة بين صحراء معادية وبحر مزمجر, وهي في حالة حذر دائم وحرب مستمرة مع أهل المنطقة.
ومكث رنكيير في ميناء العقير يوماً واحداً, وفي اليوم التالي توفر له مركب شراعي استقله وتوجه الى البحرين ومن البحرين عاد مسافرا الى بلاده الدنمارك.
* باحث في التراث والتاريخ