شفافيات
ألهاهم التكاثر عن شؤون حياتهم المفيدة حتى ذهبوا إلى المقابر ليفاخروا بالموتى
التباهي وإظهار القوة والتفاخر والتكاثر شأن إنساني بحت, قد يشرك الإنسان الحيوان في جزئية منه حين يتناطح مع الغير فقط لإظهار القوة, لكنها في الإنسان شيء مختلف تماما; التباهي بالقوة ضيع البشر وتسبب في الحروب وتسبب في القتل وأحدث اضطرابات كثيرة في حياة الشعوب وحياة الإنسان الفرد.
وكم قتيلا راح نتيجة التباهي! هل أضرب لكم بعض الأمثلة من حركات التباهي البشرية?
ألا ترون ذلك التباهي بلعبة الحبل المطاط الذي يقذف الشباب أنفسهم بواسطته من أعلى المرتفعات الشاهقة القاتلة إلى الأرض حتى إذا وصلوا قريبا من الموت ارتفع بهم ثانية وقد سقط ببعض الناس ذلك الحبل فماتوا.
وهل رأيتم تسلق القمم الجبلية وما آلت إليه تلك الرياضة التفاخرية من نتائج على البعض? وهي رياضة لا فائدة كبيرة فيها ويمكن أن تغني عنها بدائل أخرى من النوع نفسه, هي قد تصلح للجيوش ليتدربوا على الصعوبات فربما احتاجوا مثل هذه المواقف في الحروب, ولكن ما شأن فتيات صغيرات يتسلقن بالحبال تلك الصخور الجبلية الشاهقة, ويقعن أحيانا وتتكسر أضلاع بعضهن, وقد يموت البعض منهن? ما فائدة ذلك غير التباهي. وخذوا مثلا آخر في التباهي بالقوة رياضة الملاكمة, أي شيء مفيد فيها غير المباهاة, لماذا يكسر بعضهم أنف بعض, ويدمي بعضهم وجه بعض ويكسرون أسنانهم وفكاكهم?
رياضة المصارعة الحرة المعتدلة تكفي عنها, وهي أيضا نوع من أنواع المباهاة حتى وإن كانت مفيدة أحيانا.
أنبهكم إلى أن بعض المباهاة مفيد وضروري أحيانا! لكن بعضها مضيع للوقت وقاتل ومن أمثلة المباهاة المفيدة إظهار القوة في الجيوش, فهي تكفي لإرهاب العدو وتمنع الحروب عن البشرية" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة "الآية", وكذلك إظهار الدولة لقوتها الأمنية داخليا لردع اللصوص. هناك تفريق بين المباهاة المحمودة والمباهاة الذميمة .
في يوم من الأيام تباهت القبائل العربية وبينهم قريش فقال كل واحد منهم ما عنده من محامد, وشغلتهم أيما شغل هذه المباهاة وضيعت أوقاتهم وأفكارهم وشلت حياتهم عن التفكير الجاد. ولما تقلص ما يتباهون به من شؤون لجأوا إلى المقابر يعدون الأشخاص الذين ينتمون إليهم من الموتى من الوجهاء والعظماء!
ذهبوا إلى المقابر ليعدوا موتاهم من الوجهاء, وليتفاخروا على بعضهم بعضا بهم, حتى بالموتى تكاثروا وتباهوا, وهذه ملهاة ومشغلة وسخافات ما بعدها . فأنزل الله تعالى قوله: "ألهاكم التكاثر, حتى زرتم المقابر, كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم."
ألهاهم التكاثر عن شؤون حياتهم المفيدة, حتى ذهبوا إلى المقابر ليفاخروا بالموتى يا عجبا لفراغ هؤلاء!
وألهى البشرية طول عمرها, التكاثر حتى نفدت حياتهم, وانتهت أعمارهم بزيارة القبور, والمقصود الثاني فيها: تكاثروا حتى ماتوا وانتهت حياتهم عبثا.
إنه الفراغ النفسي,والفراغ الفكري الناشئ بعضه من الترف المذموم. وهكذا تذهب حياة الإنسان سدى. إلى اللقاء.
* كاتب كويتي
shfafya50@hotmail.com