التلاعب السياسي بالتاريخ ظهر بكل وضوح في مسلسلي "القعقاع" و "الجماعة" ما اثار جدلاً كبيراً
دائماً ما تقعُ دراما التلفزيون الرمضانية التاريخية في "مطب" التوثيق, لأنها تحاول أن تركز على إبراز سيرة شخصية ما ولكن السيناريو ينحرف ويتعثر بفكر ومقاصد كاتبه الذي يُحدِّدُ مَسَاراتَ الحوار; وبالتالي الخط الدرامي الإخراجي للعمل. ومن أمثلة ذلك ما يُعرض هذه الأيام من أعمال درامية تاريخية في رمضان الحالي وبخاصة "القعقاع بن عمرو التميمي", ومسلسل "الجماعة".
المشكلة لاتكمن في السيناريو والإخراج والتمثيل وإنما في التاريخ ذاته, اذ أننا جميعاً غير متفقين أبداً, لا حاضراً ولا ماضياً, وخلافاتنا القديمة مازالت تنعكس بالتأكيد على خلافاتنا اليوم, وبدلا من ان نراجع هذه الخلافات ونقلصها تاتي المسلسلات ذات الدوافع التجارية (وربما السياسية!), لكي تعمق الهوة. فالتاريخ بقديمه وحديثه مليء بالأكاذيب والافتراءات التي دست لأغراض معينة, ولا وجود لتاريخ صادقٍ مئة في المئة, حتى الأحداث التي عشناها وشهدناها بأعيننا نجد تناقضا في وصفها وسردها وتحليلها, لأن كل من يأتي فيما بعد يُزَوِّرُ بَعْضَ حقائق مَنْ قبله, كما فعل العباسيون بالأمويين, والفاطميون بالعباسيين, والمستشرقون بالتاريخ العثماني, ومن المؤسف أن بعض كُتاب الدراما التاريخية اليوم يُعَوِّلُون على النجاح, بالقدر نفسه الذي يُثيرون فيه الفتنة; إذ هم يُريدون النسبة الأكبر مِنَ المُشاهدين والمُعْلنين, ولا يهم دقة ما ينقلون, ولا البُعْد الإنساني في الشخصيات, بقدر إظهار ما اخْتُلِفَ عليه, وشتَّانَ بين الطواف حول المختلف عليه والتركيز على المُسَلَّمات من الأمور المُوثَّقة.
مسلسل: القعقاع ... تجديد للفتنة الطائفية
تعرض قناة ال¯ "MBC" الفنان السوري سلوم حداد بشخصية "القعقاع بن عمرو التميمي" (رضي الله عنه) وسط انتقادات واسعة من نقاد إتهموا "محمود الجعفوري" كاتب المسلسل بإعادة إنتاج الفتنة بين الصحابة (رضي الله عنهم) وممارسة التحريف التاريخي لمشاهد عديدة من المسلسل الذي لاقى هجمة شرسة قبل عرضه, حين كتبت مقالات عدة أبرزها مقالة لأحد الباحثين السوريين يتحدث فيها عن التعرض للصحابة (رضي الله عنهم) وحوادث الفتنة كما حذر عدد من الكتاب من ان المسلسل قد يشعل ما سموها فتنة بين الشيعة والسنة. ويبني الناقدون للمسلسل هجومهم على انه يتضمن مشاهد مفترضة منها مبايعة الرسول لعلي بن أبي طالب بالخلافة قبل وفاته, ومنها تصوير لحوادث اختلاف الصحابة في السقيفة بشكل مكذوب ومنع أبي بكر الصديق ميراث فاطمة رضي الله عنها وغيرها من الحوادث المختلقة تاريخيا.
ولكن "تتر" المسلسل يشير إلى أن النص التاريخي قد أشرف عليه نخبة من علماء أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والشيخ الدكتور سلمان العودة وأحمد الريسوني وغيرهم, كما أن الشيخ القرضاوي امتدح في برنامجه الأسبوعي "الشريعة والحياة" على قناة "الجزيرة" المسلسل وأثنى على النص المكتوب, مشيراً إلى إن المسلسل جميل ومميز. واتمنى على الشيخ القرضاوي ان يقول رايه في المسلسل بعد مشاهدته وليس مجرد قراءة السيناريو المكتوب.
المسلسل استخدم اسم القعقاع, لكنه لم يعطه الدور الاكبر في الاحداث كما ينبغي لمسلسل يحمل إسم شخصية تاريخية معينة, قدر اهتمامه بالتركيز على الخلافات الاساسية بين المسلمين الاوائل وخصوصاً مسألة بيعة الأمام علي, ومن ثم حرب الجمل بين عائشة وعلي, وبالتالي إحياء لخصومات وخلافات تعود إلى أربعة عشر قرنا! وهو جدل مرفوض كان ينبغي تجاوزه أو تناوله بما يفسر الأمور على حقيقتها من دون مواربة ولا انحياز.
ثم إن شخصية القعقاع ذاتها قليلة المصادر ولم يكتب فيها الكثير بل أن هناك من يشكك في وجودها, لذا فإن مجازفة إختيار الشخصية عنوانا لمسلسل من ثلاثين حلقة, أمر بالغ الصعوبة. ومُجازفةٌ قد لا تُحْمد عُقْباها; لأن المؤلف يدخل في الجدل المرفوض في هذا التوقيت بالذات والعودة إلى الوراء مئات السنين. وهذا يعطي انطباعاً -أيضاً- بأننا أمام أحداثٍ لم تَحْدث, وسيناريو لم يَذْكر التاريخ مُعْظمه; اي أننا أمام دراما مُصْطنعة, وحكاية جديدة لها هدف واحد بعيدٌ عن شخصية "القعقاع" يتمثل في إثارة الجدل بتاريخ نتمنى لو أنه لم يُكتب; لأنه كان ولا يزال مُفَرِّقاً للأمة.
مسلسل "الجماعة" مثير للجدل أيضاً
تدور أحداث المسلسل حول حياة مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا من لحظة مولده عام 1906 وحتي لحظة اغتياله بميدان الحلمية الجديدة بالقاهرة عام 1949, مرورا برحلة تأسيسه للجماعة الدينية الأكبر والاضخم في الوطن العربي. ويضم المسلسل بعض الظروف السياسية التي حدثت في هذه الأثناء وتظهر فيه العديد من الشخصيات مثل الملك فؤاد والملك فاروق ومحمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات ومحمد فريد وسعد زغلول. والمسلسل المثير للجدل يحتاج إلى وقفات كثيرة, وهو لم ينته بعد, وتعرضه قناتان مصريتان معروفتان بولائهما للنظام الحاكم, وكاتبه ومخرجه كذلك, وإن كانا يحاولان الظهور بمظهر المحايد, وإلى الآن, وبعد مضي اكثر من عشرين حلقة من هذا المسلسل, حيث إنه كُتِبَ من وجهة نظر الخصوم لهذه الجماعة فقط, والذين أنفقوا على هذا المسلسل بحسبهم 20 مليون دولار!!. يؤدي دور حسن البنا الممثل الاردني أياد نصار, ويبدو أن ذلك حصل تعمداً من أجل إبعاد الحرج عن الممثلين المصريين, وتقليصا بالنفقات!!, رغم ان الشبه ضعيف بين ملامح نصار وملامح شخصية الامام, وهناك ممثلون مصريون كثيرون هم اكثرشبها بالامام.
عائلة البنا, ممثلة بأحمد سيف الإسلام ابن حسن البنا طالبت بوقف تصوير المسلسل مالم تتمكن من الاطلاع على السيناريو, ولكن السيناريست وحيد حامد رفض بشدة, وقرر الصمت والرد عمليا من خلال المسلسل, وجاء اعتماده وتمسكه برأيه على دعاوى عدة سابقة رفضت, وفشلت في منع عرض أعمال فنية تناولت سير ذاتية لفنانين وسياسيين آخرين. أصوات كثيرة كانت ضد المسلسل معظمها من "الاخوان" انفسهم والتي حاولت تصوير المسلسل على أنه اساءة للدين الاسلامي ككل (كما في مسألة الحجاب!) وليس فقط محاولة اعطاء نظرة موضوعية عن نشأة الجماعة وتأثيرها في المجتمع المصري خصوصا والعربي عموما كما تم اتهام المسلسل بأنه يعبر عن وجهة نظر النظام الحاكم واجهزته الأمنية, ومحاولة لتسقيط "الاخوان" في الانتخابات المقبلة من خلال تأليب الشعب المصري ضدهم. ولكن هناك محللين رأوا في المقابل أن المسلسل نجح في تحسين صورة "الإخوان" بين الأوساط الشعبية والمهمشين, وأن من لم يكن يدري شيئاً عن الجماعة عرف أنها جماعة دعوية في الأساس, وأنها ربما اضطرت إلى تسييس الدين دفاعاً عن الدين, وسعياً نحو تحقيق حياة أفضل للناس. بعض الذين كتبوا في الموضوع اتهموا الحكومة بأنها أرادت الإساءة إلى "الإخوان" فبيضت وجوههم وأن الهدف الذي سعت إلى تحقيقه أرتد إلى صدرها, وأن الناس تعاطفوا مع حسن البنا ولم يصدقوا بعض المعلومات المسيئة إلى "الاخوان" الواردة في المسلسل, وتبينوا أنها استهدفت تشويه الرجل وجماعته, لكنهم اعتبروها جواز مرور المسلسل إلى التلفزيون المصري. وقد أعجبت بتحليل أحدهم وهو يقسم مشاهدي المسلسل الى ثلاثة أصناف: إما أن يكونوا إخوانا مسلمين جذبهم العنوان, وهؤلاء بمجرد مشاهدته, يعرفون مدى التشويه والتجني الذي يحمله على الجماعة ومؤسسها; وبالتالي يزداد تمسكهم بجماعتهم وحبهم لمؤسسها المظلوم. وإما أن يكونوا خصوماً للجماعة, وهؤلاء ليسوا بحاجة لمثل هذا المسلسل ليزيد من حقدهم وكرههم إلى "الاخوان" ولمؤسسهم, أما الصنف الثالث فهم عوام الناس الذين سيدفعهم المسلسل للتساؤل عن الجماعة, وعن حقيقة أهدافها, وتاريخها, ومؤسسها.
من جهتها أعلنت "الجماعة" في مصر أنها ستنتج مسلسلاً يحمل عنوان "حسن البنا رحلة لم تنته" بعد عيد الفطر المبارك للرد على مسلسل "الجماعة", وأنها كتبت 32 حلقة من المسلسل وراجعت منها سبع حلقات حتى الآن, وسوف يصحح المسلسل الجديد أخطاء مسلسل "الجماعة", وقال محسن راضي صاحب الشركة التي ستنتج المسلسل الجديد بأن "مسلسل الجماعة قد كتب بمراجعة أمنية لكل حلقة من حلقاته, من أجل إظهار الجماعة على غير حقيقتها". وأضاف بأنهم أرادوا أن يشوهوا الجماعة لكن الحالة انقلبت عليهم وتعاطف الناس لانهم لم يصدقوا أن تكون شخصية حسن البنا بهذه السطحية وبهذه السذاجة وبهذا الانحراف الذي أظهره وحيد حامد مؤلف المسلسل". ولكن وحيد حامد ما زال يصر على ان المسلسل محايد وموضوعي.
التطبيع الفارسي في مسلسل خليجي
كما استغربت ادخال اللغة الفارسية في مسلسل كوميدي خليجي على احدى فضائياتنا ولا أدري هل هي خطوة نحو التطبيع ام لإشاعة الثقافة الفارسية من خلال نشر اللغة الفارسية أسئلة لا أدري أين نجد جوابها وحقيقتها?
كاتب عراقي
aymengashimi@yahoo.com