بيروت - "السياسة":
فيما لا تزال التدابير والإجراءات الأمنية التي اتخذها "مجلس الدفاع الأعلى" بشأن العاصمة بيروت قيد الاختبار لتطويق تداعيات أحداث برج أبي حيدر وما خلفته من خسائر بشرية ومادية, إلا أن استمرار "حزب الله" في تصعيده واستهدافه لرئيس الحكومة سعد الحريري والمطالبين بجعل بيروت منزوعة السلاح يطرح ظلالاً من الشك حول مدى رغبته في التجاوب مع المساعي التي تصب في هذا الإطار, خاصة بعد تصريحات نائب الأمين العام ل¯"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم التي أشار فيها إلى أنه "ليس للعاصمة أصحاب يقولون لنا ما نفعل وما لا نفعل, وهي ليست لغيرنا وحدهم", وهو ما ترك استياء كبيراً لدى القيادات السياسية والروحية في العاصمة, التي اعتبرت أن كلام قاسم يعكس في طياته, استمراراً في الاعتداء على كرامات أهل بيروت ومحاولة لوضع اليد على قرار العاصمة.
وأعرب النائب عمار الحوري عن استغرابه من كلام قاسم, موضحاً أن "الأخير أقر بخطأ ارتكبه حزب الله ولكنه ارتكب أيضاً من خلال الهروب إلى الأمام خطيئة إضافية هي إهانة لبيروت وأبنائها حين قال لا يوجد أصحاب لمدينة بيروت", مضيفاً أن "هذه الإهانة غير مقبولة".
ولفت حوري إلى أن "بيروت قدمت نموذجاً من الحضارة والمقاومة العام 1982 وأن العاصمة لديها أصحاب وأبواب", مشيراً إلى "أنه عندما رفع شعار بيروت منزوعة السلاح, رفع من قبل هيئاتها المنتخبة التي عبرت عن إرادة بيروت", متمنياً أن يملك الشيخ قاسم الجرأة والشجاعة للاعتذار عن هذه المقولة".
في هذه الأثناء, تناول رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد التطورات السائدة والمواقف السياسية المطروحة وأهمية الحفاظ على التهدئة في التحاور والتعاطي بين الفرقاء على الساحة الداخلية في هذه المرحلة, لتعزيز بناء الثقة بين الفرقاء والمواطنين.
وفي موازاة ذلك, أكد نائب رئيس المجلس النيابي السابق إيلي الفرزلي إثر لقاء رئيس الحكومة سعد الحريري أن هم الرئيس الحريري الأول هو كيفية صناعة العلاقات اللبنانية-اللبنانية بطريقة تؤدي إلى مواجهة التعقيدات والتحديات التي يواجهها لبنان عبر موقف لبناني واحد موحد, وعبر إرادة لبنانية جامعة تؤكد مناعة لبنان وعلى العلاقات اللبنانية-السورية التي هي مدخل حقيقي لحماية هذه الوحدة الوطنية اللبنانية.
وكان الحريري أكد في حفل إفطار, مساء اول من امس, حضره وزير الداخلية زياد بارود وقائد الجيش العماد جان قهوجي أنه "عندما تكون بيروت بخير يكون لبنان بخير, وإن الإجراءات التي اتخذها الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للدفاع قرارات لضمان الاستقرار في بيروت وكل البلد وقد تمت المباشرة بتنفيذها.
كما لفت إلى أن الحكومة ستتقدم بخطة للاستثمار بالأمن والاستقرار, مشيراً إلى أنه عندما نقول إننا نريد أن نسلح القوى العسكرية يعتقد البعض أننا نريد أن نراكم السلاح لهذه القوى, وهذا ليس صحيحاً, فنحن نستثمر بالأمن والاستثمار بالأمن هو فعلياً استثمار في الاستقرار الذي هو فعلياً استثمار بالازدهار, ما يؤمن زيادة فرص العمل.
في سياق متصل, وصف مصدر قيادي مستقل المطالبة ببيروت منزوعة السلاح في الوقت الحاضر, بأنه ضرب من الخيال, لأن هناك استحالة بتطبيق مثل هكذا قرار, مذكراً بأن السلاح الفردي موجود في كل بيت لبناني منذ عشرات السنين, بغض النظر عن سلاح المقاومة التي تتشكل في غالبيتها من الطائفة الشيعية, بما يعني أن السلاح الموجود بحوزتها شكل لها حالة استقواء على سائر الطوائف الأخرى التي باتت تشعر بخطر تحوله إلى الداخل مع كل أزمة سياسية قد تؤدي إلى توتير الأجواء, كما يحصل في مرة يتم فيها اللجوء إلى هذا السلاح.
ورأى أن لا سلطة للدولة على مصادرة هذا السلاح الذي يحمل صفة الشرعية في مقاومة الاعتداءات الإسرائيلية ضد لبنان, وبالأخص بعد أن اكتسبتها على إثر عملية عناقيد الغضب التي أنتجت تفاهم نيسان العام 1996, وكان للرئيس الشهيد رفيق الحريري الدور الأبرز بشرعنة عمل المقاومة. وإن نزع هذه الصفة عن سلاح المقاومة, يتطلب انسحاباً إسرائيلياً شاملاً وكاملاً من جميع الأراضي اللبنانية التي ما زالت واقعة تحت الاحتلال, مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا, هذا إذا لم تجد المقاومة دوراً آخر لهذا السلاح.
وذكر المصدر بما جرى بعد صدور القرارين الشهيرين عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة, عندما شعر "حزب الله" بخطر المس بأمنه الخاص, فلم يتردد في توجيه سلاحه إلى الداخل, غير آبهٍ بما سيكون له من انعكاس على السلم الأهلي في البلد, وأنه لن يتردد في إعادة التجربة مرة ثانية أو ثالثة, إذا ما شعر بأي خطر. وقال إن ما جرى في برج أبي حيدر كان للتذكير فقط بعدم تجاوز الخطوط الحمر, خاصة من قبل أولئك الذين يحاولون الاستفادة من التقارب السوري-السعودي, واصفاً التصريحات التي صدرت من قبل القيادة السورية المتعلقة بحماية المقاومة بأنها تصب في هذا الإطار.
وقال المصدر المستقل إن أفضل دواء لعدم تكرار ما حصل في برج أبي حيدر, يتلخص برفع الغطاء عن أي مخل بالأمن في الوقت الحاضر من قبل القيادات السياسية المعنية, إذ انه من غير المسموح بعد الآن أن يترك العابثون بأمن المواطنين يصولون ويجولون لا في بيروت ولا في الضاحية ولا في المخيمات الفلسطينية, ولا في أي مكان آخر.