بيروت عاصمة منزوعة السلاح هي الخطوة الأولى باتجاه عودة لبنان الى كنف الدولة, هذه الدولة التي لن تقوم لها قائمة اذا لم يكن جيشها من القوة التي تؤهله ان يمارس دوره في الدفاع وصد اعتداءات الخارج, وضرب مخربي الداخل ايضا, عندها فقط يمكن للبنانيين القول انهم يعيشون في دولة لا مزارع امنية فيها لأحد, ولا صوت لمأجورين يستخدمون بلدهم صندوق بريد رسائل للصراعات الاقليمية والدولية.
من رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى رئيس الحكومة سعد الحريري تكامل خطاب الدولة, متعاليا بلغة وطنية صادقة على كل الجراح في سبيل الوصول الى دولة حقيقية ترفع لبنان عن لائحة اول 35 دولة فاشلة في العالم وتعيده الى سابق عهده من الازدهار الاقتصادي والسياسي, وتزيد في الوقت نفسه من الاطمئنان العربي.
لم يعد مقبولا ان تقع "خزانة العرب" مرة اخرى تحت مرمى نيران اي من الجماعات المستعدة لاستباحة كل المحرمات في سبيل مصالحها الخاصة, والتي لم توفر حتى المساجد, واكبر الادلة على ذلك المسجد المحترق في منطقة برج ابي حيدر التي شهدت فصلا مؤلما من فصول التمهيد لحرب اهلية مذهبية بشعة يسمع فحيح افاعيها من على اكثر من منبر.
ودعوة الرئيس سليمان الى تسليح الجيش اللبناني تعني ان الشرعية هي وحدها المعنية في مقارعة المعتدين, وخصوصا ان التربص الاسرائيلي بلبنان سيكون مغطى بدعم غربي طالما بقيت هناك سلطة موازية تصادر قرار الدولة في الدفاع, وطالما بقيت هناك قوى محلية تقيم دويلاتها على انقاض المؤسسات اللبنانية, اما عندما تكون امرة السلاح, كل السلاح, بيد الشرعية فان العالم كله لن يجرؤ على تغطية عدوان اسرائيلي, بل ان هذا العالم كله سيكون مدانا اذا لم يعاقب اسرائيل على مجرد استفزاز لبنان, وعندها ايضا يمكن للعالم اجمع ان يعترف بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة التي يتغنى بها "حزب الله" لحاجة في نفس مشغله الاقليمي, فالجيش سيكون مدعوما من شعبه, وهذا الشعب على اختلاف تلاوينه السياسية والطائفية سيكون مقاومة مساندة للجيش, ولن يكون احد الاحزاب محتكرا لشعار نبيل دون غيره, عندها لن يكون اي هاجس لا لبنانيا ولا عربيا من العودة الى الحرب الاهلية التي تسببت باضرار كبيرة ليس للبنان وحده, بل للعالم العربي بأكمله.
وبيروت منزوعة السلاح تعني فعلا ان تكون عاصمة الجميع غير محكومة بخوف من هذا الطرف او ذاك والا تكون عرضة من جديد لحوادث فردية تتحول الى حروب مصغرة, وهنا فقط يتحمل "حزب الله" وامينه العام المسؤولية الكاملة في اثبات صدق خطابه السياسي حين يضع معادلة "قصف بيروت يقابله قصف تل ابيب", فعليه اولا ان يخلص بيروت من زعرانه ومن هيمنة السلاح غير الشرعي, والا تتحول المناكفات السياسية اللبنانية, التي لا تنتهي, الى عقاب جماعي لهذه الطائفة او تلك, او هذا الحي او ذاك, اي ان حماية بيروت من الداخل مقدمة حقيقية لحمايتها من الخارج, فما نفع ان تكون العاصمة اللبنانية مستباحة من هذه الميليشيا او تلك ومغطاة بحماية من القصف الاسرائيلي? أليس تقاتل الاخوة اشد فتكا وتدميرا من القصف الاسرائيلي? ولذلك حتى لا تكون معادلة "بيروت مقابل تل ابيب" مجرد نفخ في قربة مثقوبة, على "حزب الله" ان يبادر الى ان يكون اول من يسحب سلاحه من بيروت, وان يبادر الى تسليم سلاحه الى الجيش اللبناني, ليكون فعلا حزبا لبنانيا غير مأجور لهذا الطرف او ذاك, وان يخلص بلاده من براثن الاستنزاف الفتنوي التي تشعلها اعواد ثقاب الصراع الاقليمي, وعندها فقط سيجد هذا الحزب ان ليس الشعب اللبناني معه فقط, بل كل العرب, فهل يثبت "حزب الله" لبنانيته ويلبي نداء رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة?
أحمد الجارالله